شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس مِن قصة الذي أمر أولاده بحرقه بعد موته (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

قال ابن حزم -رحمه الله-: "وَفِي هَذَا الْخَبَرِ عُذْرُ الْجَاهِلِ، وَأَنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنْ الإِسْلامِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ الْعَالِمُ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، لَكَانَ كَافِرًا؛ لأَنَّ هَؤُلاءِ اللَّيْثِيِّنَ كَذَّبُوا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَتَكْذِيبُهُ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ بِلا خِلافٍ، لَكِنَّهُمْ بِجَهْلِهِمْ وَأَعْرَابِيَّتهمْ عُذِرُوا بِالْجَهَالَةِ، فَلَمْ يَكْفُرُوا" (المحلى 10/ 410) .

- التأويل ولو في مجتمع ينتشر فيه العلم مِن أسباب الجهل: حديث معاذ بن جبل وسجوده للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيه: أَنَّهُ أَتَى الشَّامَ فَرَأَى النَّصَارَى يَسْجُدُونَ لأَسَاقِفَتِهِمْ وَقِسِّيسِيهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، وَرَأَى الْيَهُودَ يَسْجُدُونَ لأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَرُبَّانِيهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ، فَقَالَ: لأَيِّ شَيْءٍ تَفْعَلُونَ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ تَحِيَّةُ الأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-، قُلْتُ: فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَصْنَعَ بِنَبِيِّنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ كَمَا حَرَّفُوا كِتَابَهُمْ، لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عَظِيمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا" (أخرجه أحمد والحاكم، وقال الهيثمى: رجاله رجال الصحيح) .

- خفاء العلم ولو مع مصاحبة العلماء سبب للجهل: حديث عائشة -رضي الله عنها- وفيه قصة خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلاً من بيته إلى مقابر البقيع وانطلاقها على أثره، ثم رجوعها وانطلاقها أمامه، فلما دخلت الفراش، قال: ( مَا لَكِ يَا عَائِشُ؟ حَشْيَا رَابِيَةً؟ ) قَالَتْ: قُلْتُ: لا شَيْءَ، قَالَ: ( لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: ( فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: ( أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ ) قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ؟ قَالَ: ( نَعَمْ... ) (رواه مسلم) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها" (مجموع الفتاوى: 11/ 411-413) .

3- خطر التسرع في التكفير:

- تمهيد: إذا كان الجهل مانعًا مِن تكفير مَن جاء بالكفر؛ فمن باب أولى عدم تكفير مَن جاء بالكبائر جاهلاً؛ فلا يجوز لأحد أن ينسِبَ لمسلم شيئًا لم يفعله أو لم يعتقده ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) (الأحزاب:58) .

- أخطر ذلك أن ينسِبَ مسلمًا إلى الكفر لمجرد الشبهة: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لَقِيَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلاً فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ، فَنَزَلَتْ: ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ( السَّلامَ ) (النساء:94) " (متفق عليه) .

- الترهيب مِن تكفير المسلم بذكر الآثار المترتبة على ذلك كعناوين: "إباحة دمه - حبوط عمله - فسخ عقد زواجه - لا تؤكل ذبيحته - لا يعامل كموتى المسلمين - ماله يصير فيئًا - يخلد في جهنم".

4- الحذر من الاغترار بعفو الله "بين يدي الكلام عن العذر بالجهل":

- الذي يغفر هو الذي يعذب أيضًا: قال الله -تعالى-: ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ ) (الحجر:49-50) .

- احظر الاستهانة بالذنوب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ) (متفق عليه) .

- الخوف يبعث على العمل لا التراخي: ( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) (النور:37) .

فاللهم املأ قلوبنا منك خوفًا وعلمًا.

الصفحة السابقة