شهود آثار ربوبية الله في خلقه (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض من الخطبة:
- الوقوف على الدروس والفوائد المستفادة مِن الوصية الثالثة من وصايا لقمان -عليه السلام-، ومنها: "التحذير مِن خطر الإلحاد بطريق غير مباشر".
المقدمة:
- الوالد الصالح يواصل تأسيس بنيان بيته بعد التوحيد والإحسان إلى الوالدين على شهود آثار الأسماء والصفات وربوبية الله في خلقه: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان:16) .
- أقوال العلماء حول الوصية تدور حول شهود آثار الأسماء والصفات وربوبية الله في خلقه:
القول الأول: لبيان قدرة الله وسعة علمه وإحاطته، وذلك أن ابن لقمان سأله عن الحبة تقع في أسفل البحر أيعلمها الله؟!
القول الثاني: لبيان أن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل أحضرها الله يوم القيامة حين توضع الموازين.
القول الثالث: لبيان أن الأرزاق والمقادير مكتوبة، ولكل مخلوق كتاب فيه أحواله.
حول القول الأول: "معرفة قدرة الله وسعة علمه وإحاطته":
- الوالد الصالح يربي ولده على أن الله يعلم ويحيط بكل شيء: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان:16) ، وقال -تعالى-: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (الأنعام:59) .
- إنها عقيدة الصالحين: ( رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ) (إبراهيم:38) .
- تحدَّى الله بذلك الكافرين والملحدين: ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:13-14) .
- أثر تربية الأبناء على ذلك في الصغر: ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (يوسف:6) . "يعقوب -عليه السلام- يذكر جميع الأمور منسوبة إلى فعل الله -عز وجل-؛ لترسيخ شهود آثار ربوبية الله في نفس ولده".
- أثر هذه التربية في الكبر: ( ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) (يوسف:37) ، ( ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا ) (يوسف:38) ، ( هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) (يوسف:100) ، ( هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (يوسف:100-101) .
حول القول الثاني: أن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل أحضرها الله يوم القيامة:
- الوالد الصالح يربي ولده على مراقبة الله في الحسنة والسيئة: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان:16) .
- الله يحاسب على الأعمال بمثاقيل الذر: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (الأنبياء:47) ، ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (الزلزلة:7-8) .
- الفساد والظلم المتفشي في الناس سببه عدم المراقبة: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (الكهف:49) . "عدم المراقبة تسبب الاستهانة بالسيئات ودرجاتها، بل وبعض الناس تنعدم عنده المراقبة فيفجر وينسى أن هناك مَن يحصي عليه عمله".
- الجرأة على ذنوب الخلوات مِن بعض الصالحين سببه عدم المراقبة: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) (غافر:19) ، ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (المجادلة:7) .
وقال الشاعر:
إذا ما خلوتَ الدهر يومًا فلا تقل خلوتُ ولكن عليَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب
- ندم وحسرة يوم تنكشف اللذة المحرمة الخفية: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (آل عمران:30) .