شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (1) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الأمور المستقرة أن الدنيا لن تستقيم لأحدٍ دون تعب و كدر، بل ولن تدوم على حال واحد، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تُسَمَّى: العَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لاَ تُسْبَقُ؛ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: سُبِقَتِ العَضْبَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلا وَضَعَهُ ) (رواه البخاري) .

فعلى العاقل أن يفهم ذلك، وأن يتعامل مع الواقع بهذا المفهوم.

وإذا أراد الإنسان أن يغير مِن واقعه الذي يعيشه ويحياه، فلا بد مِن التأني والتريث، والترجيح بيْن المصالح والمفاسد، والنظر إلى مآل الأمور حتى لا يخرج مِن واقع مرير إلى واقع أمَر مِن الأول؛ فأحيانًا يتعرض الإنسان لشيءٍ مِن الظلم وهو يريد أن يدفع الظلم عن نفسه، وأحيانًا أخرى يكون الأمر بصورة جماعية؛ فقد تثور الشعوب على حكامها؛ بسبب الظلم والطغيان والتغاضي عن ألام الناس، أو مِن كثرة الفساد وتنحية شرع الله -تعالى-، أو بسبب كثرة الانتهاكات والممارسات الجائرة مِن قِبَل بعض الأفراد في بعض المؤسسات، أو بسبب حالة اليأس التي تسيطر على الشعوب أحيانًا بسبب انخفاض مستوى المعيشة، وارتفاع نسبة الفقر، وتدهور الحالة الاقتصادية، وغير ذلك مِن الأسباب.

وهنا تكون المطالبة بالتغيير مِن الأمور المشروعة؛ دفعًا للظلم، ونشرًا للعدل، وتحكيمًا للشرع، ومِن أجل الحفاظ على البلاد والعباد مِن الفساد والطغيان، ونحو ذلك؛ بشرط ألا يترتب على التغيير منكر وفساد أشد مِن الأول، ففي مثل هذه الأحوال لا بد مِن دراسة الواقع دراسة متأنية، ودراسة موازين القوى والترجيح بيْن المصالح والمفاسد.

ولما كان التاريخ مرآة الأمم، يعكس ماضيها، ويترجم حاضرها، وتستلهم الأمم مِن خلاله مستقبلها؛ كان مِن الأهمية بمكان الاهتمام بالتاريخ، والحفاظ عليه، ونقله إلى الأجيال نقلاً صحيحًا، بحيث يكون نبراسًا وهاديًا لهم في حاضرهم ومستقبلهم؛ فالشعوب التي لا تاريخ لها لا وجود لها؛ فلن تستطيع الأمم أن تتقدم في حاضرها إلا بالرجوع إلى تاريخها وماضيها، فلا مستقبل لأمة تجهل تاريخها، وليس هناك أعظم مِن التاريخ الإسلامي.

والتاريخ تُعرف به الأحداث والوقائع، وما صاحبها مِن تغيرات ومجريات، والتاريخ فيه استلهام للمستقبل على ضوء السنن الربانية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، ولا تحابي أحدًا مِن الخلق بحال، والتاريخ فيه شحذ للهمم، وبعث للروح مِن جديدٍ، وتنافس في الخير والصلاح، والبذل والعطاء، والتاريخ فيه عظات وعبر، وآيات ودلائل، قال الله -تعالى-: ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) (الأنعام:11) ، والتاريخ يبرز القدوات الصالحة التي دخلت التاريخ مِن أوسع أبوابه، وتركت صفحات بيضاء ناصعة، لا تُنسى على مر الأيام والسنين.

والتاريخ يعين على معرفة حال الأمم والشعوب مِن حيث القوة والضعف، والعلم والجهل، وبمعرفته نقف على الجوانب المشرقة في تاريخنا؛ فنقتفي أثرها، ونقف أيضًا على الجوانب السلبية فيه فنحاول تجنبها والابتعاد عنها.

ومِن أهم ما تفيده دراسة التاريخ: معرفة أخطاء السابقين، والحذر مِن الأخطاء والمحظورات التي تم الوقوع فيها عبْر التاريخ، وأنبِّه على أنه لا يعلم حقائق الأمور إلا الله -تعالى-، فالتاريخ الموثق قليل في عالم الأحداث، فقد يتم أحيانًا تشويه التاريخ وتزييفه مِن بعض أصحاب النفوس الضعيفة، وأصحاب المصالح الشخصية، أو يتم تزييفه بسبب الهوى والتعصب المذموم، أو بسبب النقل دون تثبت.

قال ابن خلدون -رحمه الله-: "وكثيرًا ما وقع للمؤرِّخين والمفسِّرين وأئمة النَّقل مِن المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرَّد النّقل غثًّا أو سمينًا ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سَبَرُوهَا بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النَّظر والبصيرة في الأخبار؛ فضلَّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط" (مقدمة ابن خلدون) .

وإذا تأملنا أحوال السابقين رأينا بعض الذين حاولوا أن يغيروا أمورًا رأوها منكرة مِن وجهة نظرهم، تجدهم أحيانًا يندمون على ما فعلوا بعد أن أفسدوا الحياة والواقع!

فعلى سبيل المثال:

- الخروج على ذي النورين الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: إذا نظرنا في أحوال مَن خرجوا على ذي النورين الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، نرى أنه قد خرج عليه المجرمون الرعاع مِن الكوفة والبصرة ومصر، وهم لا يريدون إلا عزله -رضي الله عنه- أو أن يقتلوه!

- وقالوا: لقد جاء عثمان -رضي الله عنه- في ولايته بمظالم ومناكير! منها: "ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه - وضربه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه، ومنعه عطاءه".

- والرد على هذه التهم الباطلة: أن مسألة ضربه لعمار أو لابن مسعود -رضي الله عنهما- غير ثابتة.

قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "هذا كله باطل سندًا ومتنًا؛ أما قولهم: "جاء عثمان بمظالم ومناكير"؛ فباطل، وأما ضربه لابن مسعود ومنعه عطاءه؛ فزور، وضربه لعمار؛ إفك مثله، ولو فتق أمعاءه ما عاش أبدًا" (العواصم مِن القواصم) .

وقال أبو عبد الله محمد بن بكر المالقي -رحمه الله-: "فإن قيل بأن عثمان -رضي الله عنه- ضرب عمارًا! قيل: هذا لا يثبت، ولو ثبت فإن للإمام أن يؤدب بعض رعيته بما يراه" (التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان) .

الصفحة التالية