شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (1) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وقال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وهذا مما يفعله ولي الأمر في مثل هذه الأحوال قبْل عثمان وبعده، وكم فعل عمر مثل ذلك بأمثال عمار، ومَن هم خير مِن عمار بما له مِن حق الولاية على المسلمين، ولما نظم السبئيون حركة الإشاعات وصاروا يرسلون الكتب مِن كل مِصر إلى الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة، فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالاً ممن يثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال؛ تناسى عثمان ما كان مِن عمار، وأرسله إلى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حالها" (العواصم مِن القواصم تحقيق محب الدين الخطيب) .

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وأما قوله: "إنه لما حَكَمَ ضرب ابن مسعود حتى مات"؛ فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لما وليَ أقر ابن مسعود على ما كان عليه مِن الكوفة إلى أن جرى مِن ابن مسعود ما جرى، وما مات ابن مسعود مِن ضرب عثمان أصلاً. وفي الجملة: فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارًا فهذا لا يقدح في أحدٍ منهم؛ فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم مِن أكابر أولياء الله المتقين، وإن ولي الله قد يصدر عنه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزير؟! وقد ضرب عمر بن الخطاب أبيَّ بن كعب بالدرة لما رأى الناس يمشون خلفه، وقال: "هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع"؛ فإن كان عثمان أدَّب هؤلاء: فإما أن يكون عثمان مصيبًا في تعزيرهم لاستحقاقهم ذلك، ويكون ذلك الذي عُزروا عليه تابوا منه، وكُفر عنهم بالتعزير وغيره مِن المصائب أو بحسناتهم العظيمة أو بغير ذلك، وإما أن يقال كانوا مظلومين مطلقًا، فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة؛ فإنه أفضل منهم، وأحق بالمغفرة والرحمة" (منهاج السُّنة) .

بل ثبت أنه عندما بُويع عثمانُ -رضي الله عنه- بالخلافة قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "بايعنا خيرَنا ولم نألُ"، وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- واليًا لعثمان -رضي الله عنه- على بيت مال الكوفة، وكان والي الكوفة في ذلك الوقت سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، وقد حدث خلاف بينهما بسبب أن سعدًا -رضي الله عنه- استقرض مالاً مِن بيت المال، ولم يرده في الموعد المحدد، فحدث خلاف بينهما بسبب هذا الأمر، فاشتدا في الكلام واجتمع حولهما الناس فعزل عثمان -رضي الله عنه- سعدًا مِن ولاية الكوفة، وأقر على بيت المال عبد الله بن مسعود، وهذه القصة تدلنا على ورع كلا الصحابيين، وتدل على حاجة سعد إلى المال، وعدم وجود ما يكفيه وأنه لذلك اضطر إلى الاقتراض مِن بيت المال، كما تدل على اجتهاد عبد الله بن مسعود في حفظ أموال المسلمين، وإصراره على استرداد القرض من سعد والي الكوفة وحاكمها.

ولكن الخلاف الذي حدث بين عثمان وابن مسعود -رضي الله عنهما- وقع لما أراد عثمان -رضي الله عنه- جمع الناس على مصحفٍ واحد، واختار -رضي الله عنه- لهذا الأمر زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وكان أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- قد اختاراه مِن قبْل لجمع القرآن في المرة الأولى؛ وذلك لأن زيدًا -رضي الله عنه- هو الذي حفظ العرضة الأخيرة للقرآن مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف نيطت به، وكان يود أيضًا لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى، فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يوده ابن مسعود في الحالتين، والقضية أنه كان لعبد الله بن مسعود مصحف يختلف في ترتيب السور عن مصحف زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، ولهجة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مِن هزيل، وليست مِن قريش.

وقد كان الأمر أن تكون كتابة المصحف على الاتفاق، وعند الاختلاف يُرجع إلى لهجة قريش؛ لأن القرآن نزل بلسانها، فلما علم عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن القرآن سيُجمع على قراءة زيد بن ثابت، وأن مصحفه سوف يحرق غضب غضبًا شديدًا وأراد أن يحتفظ بمصحفه، واجتمع كبار الصحابة مع عبد الله بن مسعود، وتحدثوا معه وحدثوه بأن هذا الأمر فيه الخير للمسلمين، فلما علم ذلك رجع عن رأيه.

وقد عقد ابن أبي داود -وهو أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني المتوفَّى 316هـ رحمه الله- في "كتاب المصاحف" بابًا بعنوان: "باب رضاء عبد الله بن مسعود بعد ذلك بجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف"، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، ومحمد بن عثمان العجلي، قالا: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني زهير، قال: حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فلفلة الجعفي قال: فزعتُ فيمن فزِع إلى عبدِ اللهِ يعني ابنَ مسعودٍ في المصاحفِ فدخلْنا عليه فقال رجلٌ من القومِ: إنا لم نأتِك زائرين، ولكنا جِئْنا حين راعَنا هذا الخبرُ قال: "إنَّ القرآنَ أُنزل على نبيِّكم مِن سبعةِ أبوابٍ على سبعةِ أحرُفٍ، وإنَّ الكتابَ الأوَّلَ كان ينزلُ مِن بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحدٍ" (أخرجه الطحاوي وأحمد، وقال الألباني: إسناده جيد) .

وجاء في كتاب غاية النهاية في طبقات القراء للإمام ابن الجزري: "وكان الأعمش يجود حرف ابن مسعود، وكان ابن أبي ليلى يجود حرف علي، وكان أبو إسحاق يقرأ مِن هذا الحرف، ومِن هذا الحرف، وكان حمران يقرأ قراءة ابن مسعود ولا يخالف مصحف عثمان، يعتبر حروف معاني عبد الله ولا يخرج مِن موافقة مصحف عثمان، وهذا كان اختيار حمزة".

الصفحة السابقة الصفحة التالية