صفحات مِن ذاكرة التاريخ (1) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وقد ذكر الإمام الذهبي في السِّير ما نصه: "إِنَّمَا شَقَّ عَلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ لِكَوْنِ عُثْمَانَ مَا قَدَّمَهُ عَلَى كِتَابَةِ المُصْحَفِ، وَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ وَلَدَهُ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ عُثْمَانُ لِغَيْبَتِهِ عَنْهُ بِالكُوْفَةِ؛ وَلأَنَّ زَيْدًا كَانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَهُوَ إِمَامٌ فِي الرَّسْمِ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ فَإِمَامٌ فِي الأَدَاءِ، ثُمَّ إِنَّ زَيْداً هُوَ الَّذِي نَدَبَهُ الصِّدِّيْقُ لِكِتَابَةِ المُصْحَفِ وَجَمْعِ القُرْآنِ؛ فَهَلاَّ عَتَبَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ? وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ وَتَابَعَ عُثْمَانَ وَلِلَّهِ الحَمْدُ، وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ أَشْيَاءُ أَظُنُّهَا نُسِخَتْ، وَأَمَّا زَيْدٌ فَكَانَ أَحْدَثَ القَوْمِ بِالعَرْضَةِ الأَخِيْرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَام تُوفِّيَ عَلَى جِبْرِيْلَ".
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: "وهذا مشهور عند كثير مِن القراء والفقهاء، وأن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع إلى قول الجماعة، فإن الصحابة أثبتوها في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق، ولله الحمد والمنة".
وقال في مقدمته أيضًا: "وهذا أيضًا مِن أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة، وإنما روي عن عبد الله بن مسعود شيء مِن التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف، وأمر أصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرقه ما عدا المصحف الإمام، ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق".
ومِن المعلوم أن ابن مسعود وافق عثمان وتابعه فيما دون ذلك عندما أتم الصلاة خلفه، وعلل ذلك: أن الخلاف شر؛ فما بالك في الاختلاف في القرآن؟! فإنه سيكون أكثر ضررًا، وأعظم خطرًا، وأشد فتكًا بجماعة المسلمين.
وفي النهاية: فإن عثمان -رضي الله عنه- على حق في هذا، وهو يعلم -كما يعلم سائر الصحابة- مكانة ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلمه، وصدق إيمانه، ثم إن عثمان كان على حق أيضًا في حرق المصاحف الأخرى كلها "ومنها: مصحف ابن مسعود"؛ لأن توحيد كتابة المصحف هو مِن أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان على ابن مسعود، وعلى كل حال فإن عثمان لم يضرب ابن مسعود ولم يمنعه عطاءه، وبقي يَعرف له قدره كما بقي ابن مسعود على طاعته لإمامه الذي بايع له، وهو يعتقد أنه خير المسلمين وقت البيعة.
ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- البداية والنهاية لابن كثير.
- تاريخ الرسل والملوك للطبري.
- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.
- منهاج السُّنة لابن تيمية.
- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.
- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.