دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (1) أحداث ما قبْل البعثة
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- موسى -عليه السلام- نبي مرسل، كان بعد يوسف -عليه السلام-، ويمتد نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم السلام-: قال الله -تعالى-: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) (مريم:51) ، وقال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ) (غافر:34) (1) .
- قصته أكثر قصص الأنبياء ذكرًا في القرآن، ولقد جمعتْ سورة القصص الشق الأول مِن قصته، وهو دعوته للفرعون وقومه، ثم تفرقت القصة بكاملها في مواضع القرآن المختلفة، وقد تميزت سورة القصص بأنها تحدثت عن طفولة موسى -عليه السلام-، وهي سورة مكية (2) .
- كذلك تلخص قصته مع الفرعون في صدرها، ثم تبسطها في ثناياها: قال الله -تعالى-: ( طسم . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ . نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص:1-6) .
- الإشارة إلى مشاهد ومقاطع القصة التي نتعرض لها اليوم، وكلها تدور قبْل بعثة موسى -عليه السلام-، وهي على الترتيب الآتي:
(1) مصر قبْل ولادة موسى -عليه السلام-:
- كانت مصر تحت حكم الفرعون الذي ادعى ملكية البلاد ورقاب العباد: ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) (الزخرف:51) .
- نظر فرعون في معبودات قومه فوجدها حقيرة وهو أشرف فادعى الألوهية: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) (القصص:38) .
- أعان قومه على الفسق والمعاصي، فأعانوه على الظلم والفساد: ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) (الزخرف:54) .
- ولذلك جعل قومه لهم المكانة، والمستضعفين مِن المؤمنين لهم الذلة والمهانة: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ).
- بل قد بغى وطغى وتجبر حتى حرَّم على الناس التفكير: ( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (غافر:29) .
(2) الأحداث قبيل الولادة:
- كان هذا الجو الخانق، والأجواء السيئة، والاضطهاد للمؤمنين، بداية لجريان سنة الله: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا . فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ) (الطلاق:8-9) .
- اللطيف الخبير يقدر مِن المقادير ليكون الوعد الصادق للمؤمنين: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ).
- قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره مِن السلف: "إن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت مِن نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والسحرة وسألهم عن ذلك، فقال له الكهنة: هذا غلام يولد مِن هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان" (تفسير ابن كثير والطبراني) .
- القبط يشكون قلة العاملين مِن بني إسرائيل، فيأمر الفرعون بالقتل عامًا، وبالترك عامًا، فوُلد موسى -عليه السلام- في عام القتل، وكان حمل أمه لا يظهر، فلما وَلدت أُلهمت: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص:7) .
(3) موسى -عليه السلام- في بيت الفرعون:
- أم موسى -عليهما السلام- تَذهل عن ربط الصندوق ليكون تقدير الله: ( فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) (القصص:8) .
- كل طفل يحتاج في هذه المرحلة إلى امرأة حنون، فيقيد اللطيف الخبير له المرأة الأولى، ويلقي في قلبها محبته، وينفعها الله به في الدنيا والآخرة: ( وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) (القصص:9) (3) ، وهو يشبه: ( قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ ) (يوسف:19) .
- موسى -عليه السلام- يتربى في بيت الفرعون! ولن يغني حذر مِن قدر: قال الله -تعالى-: ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) ، وقال: ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (الأنفال:30) .