شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (1) أحداث ما قبْل البعثة

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- قال ابن كثير -رحمه الله-: "لقد أمر الفرعون بقتل الغلمان حذرًا مِن وجود موسى -عليه السلام-، والقدر يقول: يا أيها الملك الجبار المغرور بجنوده وسلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا تُخالف أقداره؛ أن هذا المولود الذي تَحذر منه، وقد قَتلتَ بسببه مِن النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، ولا يغذى إلا بطعامك، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه، لمخالفتك ما جاء به مِن الحق المبين، ولتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السماوات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد".

(4) موسى -عليه السلام- يعود إلى بيت أمه:

- الحزن يقطـِّع قلب أم موسى -عليهما السلام- مِن ضياع الولد: ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (القصص:10) .

- اللطيف الخبير يقدِّر: ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) (القصص:12) .

- إن الله لا يخلف الميعاد: ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص:7) ، ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (القصص:13) .

- وهكذا تربى موسى -عليه السلام- في بيت الفرعون، وتعلم فنون القتال والسياسة، وقدَّر الله له قوة الجسم والعلم (4) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلاً آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ) (متفق عليه) ، وقال الله -تعالى-: ( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ) (القصص:15) .

(5) خروج موسى -عليه السلام- مِن أرض مصر إلى مدين:

قال الله -تعالى-: ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ . فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ . وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (القصص:15-21) .

- ملخص الآيات: بعد ما ذكر ربنا -تعالى- إنعامه على موسى -عليه السلام- بالعلم والحكمة، وقد صار له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى بني فرعون وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا بسبب أنهم ارضعوه وصاروا أخواله في الرضاعة، فيخبرنا -تعالى- بأن موسى دخل المدينة على حين غفلة مِن الناس بنوم أو نحوه، فوجد رجلين يتضاربان ويتهاوشان؛ أحدهما مِن بني إسرائيل، والآخر مِن القبط الفراعنة، وأن الإسرائيلي استغاث بموسى -عليه السلام- مِن ظلم القبطي، فأقبل موسى -عليه السلام- إلى القبطي فطعنه بجمع كفه فمات الرجل منها، وكان القبطي مشركًا بالله ظالمًا، ولم يرد موسى -عليه السلام- قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه، ومع هذا قال موسى -عليه السلام- عن ذلك: ( هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ )، وسأل ربه المغفرة، وتعهد ألا يناصر الظالمين مستغلاً قوته وعزه وجاهه الذي أنعم الله عليه به.

ويخبر -تعالى- أن موسى -عليه السلام- أصبح خائفًا مِن أن يعلم الفرعون بالأمر؛ فتقوى ظنونهم أن موسى مِن بني إسرائيل فيترتب على ذلك المفاسد العظيمة، فبينما هو كذلك إذ ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستغيث به مرة أخرى على آخر مِن القبط قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، ولما أقبل على القبطي ليرده عنه، إذا بالإسرائيلي وقد ظن أنه سيبطش به هو، يقول لموسى -عليه السلام-: ( أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ )، فأظهر الأمر الذي كان بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى الفرعون على موسى -عليه السلام-.

فلما بلغ الخبر الفرعون أرسل في طلب موسى، فسبقهم رجل ناصح مِن طريق قريب فأخبره بما تمالأ عليه القوم مِن إرادة قتله، ونصحه بأن يخرج مِن بلاد مصر، فخرج مِن مصر على فوره، لا يهتدي إلى جهة معينة، فجعل يدعو ربه ويسأله التوفيق؛ فهداه الله إلى أرض مدين، فالتقى بالرجل الصالح وابنتيه، وقيل هو نبي الله شعيب -عليه السلام-.

وهذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كانت مصر أيام يوسف -عليه السلام- قد دخلها بنو إسرائيل فعاشوا فيها مع القبط، وكانت هي جنة الأرض وخزانتها، فلما مات يوسف -عليه السلام- رجع القبط إلى الشرك وعبادة غير الله وتنوعت عبادتهم، وبقي بنو إسرائيل على دين يوسف -عليه السلام- إلى أن جاءهم موسى -عليه السلام-، وكان الذي يحكم مصر في هذا الزمان أطغى الفراعنة على مر الزمان.

الصفحة السابقة الصفحة التالية