دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (2) إعداد وتمهيد بيْن يدي التكليف بالرسالة
وتمهيد بيْن يدي التكليف بالرسالة • خطبة الأسبوع
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- تذكير بما سبق مِن خروج موسى -عليه السلام- مِن أرض مصر، وتوجهه إلى أرض مدين.
- الإشارة إلى ملخص أحداث اليوم: مِن أن الله قدر لموسى -عليه السلام- مدة مدين وأحداثها مِن جملة الإعداد والتمهيد لحمل الرسالة ليعود إلى مصر، ولتكون الأحداث الجسام، حيث المواجهة مع أعتى ملوك الأرض، وذلك مِن خلال المشاهد التالية.
(1) مدة مدين إعداد على الطريق:
قال الله -تعالى-: ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ . وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ . قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ) (القصص:22-28) .
- ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن خروج موسى -عليه السلام- خائفًا يترقب خشية أن يدركه أحدٌ مِن قوم فرعون، وهو لا يدري: أين يتوجه؟ وذلك لأنه لم يخرج مِن مصر قبْل ذلك، ولما وصل إلى مدينة مدين بهداية الله له؛ وجد على بئرها الناس مِن رعاه الغنم يتزاحمون عليها، ووجد مِن بيْن الناس امرأتين تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم الناس، فسألهما عن خطبهما؟ فقالتا: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا لهذه الرعية ضعف أبينا وكبره، فسقى لهما موسى -عليه السلام- ولغنمهما، ثم رد الصخرة على البئر كما كانت، ثم تولى إلى ظل شجرة، وقد جهده الجوع والمشقة، فقال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) فسمعته الفتاتان، ولما رجعتا إلى أبيهما وعلم أبوهما أمر موسى -عليه السلام-، أمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه، فقالت: ( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) فلما جاءه موسى وأخبره بأمره؛ قال الشيخ: لا تخف، لقد نجوتَ حيث خرجت الآن مِن سلطانهم ودولتهم، فعند ذلك قالت إحدى الفتاتين: ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) فما كان مِن الشيخ الصالح إلا أن عرض عليه نكاح إحدى ابنتيه على أن يقوم على خدمته ثماني أو عشر سنوات، فأتم موسى أبعد الأجلين.
دروس وعبر:
- عظيم خُلق موسى -عليه السلام- ومروءته حيث رقَّ لحال المرأتين مع ما هو فيه مِن الجوع والمشقة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ) (رواه مسلم) ، وقال: ( وَلَأَنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .
- ابنة الرجل الصالح تضع معيارًا لاختيار العمال والولاة (القوة - الأمانة): ذكر غير واحد مِن السلف: "إن المرأة لما قالت لأبيها: ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟ قالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئتُ معه فقدمت أمامه، قال: كوني مِن ورائي، فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق؟" (تفسير ابن كثير) ، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته: ( أَكْرِمِي مَثْوَاهُ )، وصاحبة موسى حين قالت: ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ )، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب".
- عرض الرجل ابنته على الرجل الصالح: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ )، "وعرض عمر -رضي الله عنه- ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهما-".
- خروج المرأة مِن بيتها لا يكون إلا لحاجة: ( قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ )، وقال -تعالى-: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) (الأحزاب:33) .
- أهمية مدرسة رعي الغنم في حياة الأنبياء، ودرس للقادة في كل زمان: "الصبر - التواضع - الرحمة - الزهد - الحرص على الجماعة": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ )، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ) (رواه البخاري) .
(2) بدء الوحي والتكليم: