دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (2) إعداد وتمهيد بيْن يدي التكليف بالرسالة
وتمهيد بيْن يدي التكليف بالرسالة • خطبة الأسبوع
قال الله -تعالى-: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) (القصص:14) ، وقال: ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ . فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (القصص:29-30) ، وقال الله -تعالى-: ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى . وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي . إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى . فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ) (طه:11-16) .
- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- بأنه لما قضى موسى الأجل في مدين، وقد اكتمل واستوى وصار أهلاً لتحمل الرسالة، آتاه الله الوحي، وذلك أنه لما خرج مِن مدين، وسار بأهله جهة مصر متخفيًا ومعه غنم وولدان مِن أهله، اتفق ذلك في ليلة فظلمة باردة، وقد تاهوا في طريقهم، جعل موسى يوري زناده لطلب النار فلا يورى شيئًا، واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذا أبصر عن بعد نارًا تأجج في جانب جبل الطور مِن الجهة الغربية، فقال موسى لأهله: امكثوا إني رأيت نارًا لعلي أستعلم من عندها على الطريق، ويظهر أنه رآها دونهم، ولأنها كانت نورًا في الحقيقة، فلما قصد موسى إلى تلك النار وانتهى إليها، وقد اشتد النور حتى إنه جعل يضع يده على وجهه مِن شدته، وهناك ناداه ربه ( يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )، وقال: ( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ) فأنتَ مِن الآن رسول إلى الناس، تحمل دعوة التوحيد، وتنذرهم بلقاء الله، وتعلمهم أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية في الآخرة يوم القيامة، وذلك لا بد مِن وقوعه؛ لتُجزى كل نفس ما عملت مِن خير أو شر.
دروس وعبر:
- سنة الله الماضية: إرسال الرسل عند انحراف البشر عن المنهج القويم؛ لإنذارهم وإقامة الحجة عليهم: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (الإسراء:36) ، وقال الله -تعالى-: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (النساء:165) .
- وقفة: قد يطرح هنا سؤال وهو: لماذا لا يرسل الله رسولاً للناس الآن وقد انحرفت البشرية أكثر مِن كل زمان سبق؟
والجواب: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- موجود بيْن الناس بشرعه، والحجة عليهم قائمة برسالته الباقية إلى يوم القيامة، بل لو جاءهم الرسول الآن بشخصه لكانوا أشد تكذيبًا؛ لا سيما بعد اغترار البشرية بالعلوم الدنيوية الكثيرة. نسأل الله العافية والثبات.
- اختصاص موسى -عليه السلام- بالتكليم في أول الوحي كان مِن أعظم عوامل تثبيته لمواجهة أعتى الظالمين وأفجر المكذبين: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الشورى:51) .
(3) المعجزات والإعدادات لمواجهة المكذبين:
- المقصود بالمعجزات: ما يجريه الله -تعالى- على أيدي الرسل مِن أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة التي لا قدرة للبشر على الإتيان بمثلها، فتكون هذه الآية الخارقة للسُّنة الكونية المعتادة دليلاً غير قابل للنقض والإبطال، يدل على صدقهم فيما جاءوا به (الرسل والرسالات للشيخ عمر الأشقر) .
- آية العصا التي تنقلب حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصطك: ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى . قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى . فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى . قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ) (طه:17-21) .
- آية نور اليد وبياضها: ( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى ) (طه:22) ، ( فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) (القصص:32) .
- بقية آيات التسع كانت أثناء المواجهة واشتداد الأحداث: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (الأعراف:130) ، وقال الله -تعالى-: ( وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ) (الأعراف:132-134) .
فائدة: معجزات موسى -عليه السلام- أكثر مِن تسع، ولكن هذه التسع تعلقت بالفراعنة، وإلا فمِن ذلك: شق البحر والحجر بالماء، ونزول المن والسلوى.
(4) سؤال موسى -عليه السلام- ربه أسباب نجاح الدعوة:
- بعد تحديد محل الدعوة والإنذار: ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) (النازعات:17-19) .
- كان طلب أسباب الثبات ونجاح الدعوة: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) (القصص:33) .
دروس وعبر: