شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تركيا التي لا نعرفها (15)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تمكنت القوات الحكومية التركية مِن إجهاض محاولة الانقلاب العسكري التي وقعت مساء الجمعة 15-6-2016م، وأعلن القائم بأعمال رئيس هيئة الأركان (أوميت دوندار) إحباط المحاولة، وتحرير الجنرال (خلوصي أكار) رئيس هيئة الأركان بعد احتجازه خلال محاولة الانقلاب، وتم سحق ما تبقى مِن قوات الانقلاب.

وأكد وزير الدفاع (فكري إيشيك) على أنه لا توجد منطقة خارج سيطرة الحكومة، لكن خطر الانقلاب لم يتلاشَ تمامًا، وحثَّ أنصار الحكومة على الخروج إلى الشوارع مجددًا لمواصلة السيطرة على الموقف في الشارع، ومنع أي محاولة تمرد أخرى في أي وقت.

وقال رئيس الوزراء (بن على يلدريم) -متحدثًا مِن أمام مقره في قصر (جنكايا) في أنقره-: إن الحكومة تسيطر بشكل كامل على الأوضاع، وحثّ الجموع على البقاء في الشوارع.

وقد أسفرت اشتباكات الليلة الدامية عن مقتل 265 شخصًا، وإصابة 1440 مِن العسكريين غير الانقلابيين والمدنيين.

وبدأت الأجهزة الأمنية تعقب مَن قالت إنهم تورطوا في محاولة الانقلاب.

إجراءات "أردوغان" وحكومته بعد الانقلاب:

مِن هذه الإجراءات:

- قام الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بحملة اعتقالات وتطهير سريعة وواسعة في كل المرافق الحكومية وأجهزة التعليم والقضاء، شملت عشرات الآلاف بينهم جنرالات مِن الجيش وقُضاة -مِن بينهم بعض أعضاء المحكمة الدستورية- وضباط رجال شرطة وأساتذة جامعيين، ممن يرجح أنهم على علاقة أو مِن أنصار (فتح الله كولن)، الذي اتهمه "أردوغان" مباشرة بأنه وراء محاولة الانقلاب، وكان قد اتهمه مِن قبْل بتكوين هيكلٍ موازٍ للدولة داخل الجيش والشرطة والقضاء والإعلام بهدف إسقاط الدولة، وتعهد "أردوغان" بتطهير البلاد مِن هذا الكيان الموازي، ولكن سيحتاج ذلك وقتًا لتعمق (حركة خدمة) في البلاد وصعوبة تتبعها في الوقت الذي نفى فيه "كولن" -المقيم في منفاه الاختياري في ولاية بنسلفانيا بأمريكا- هذه الاتهامات.

- أعلن "أردوغان" فرض حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر، ووافقه البرلمان لمواجهة ما أسماه بالتهديدات التي تتعرض لها البلاد، وللقضاء بشكل سريع وفعال على العناصر المتورطة في الانقلاب حيث تبيح له المادة 120 مِن الدستور ذلك.

- أعلنت الحكومة أن هناك أخطاء مخابراتية وفردية وقعت خلال محاولة الانقلاب، مؤكدة أن العمل جارٍ على إعادة هيكلة الجيش.

- أمر "أردوغان" بإغلاق الآلاف مِن المدارس الخاصة والجمعيات والمؤسسات الخيرية، و19 نقابة عمالية، و15 جامعة، و35 مؤسسة طبية تشتبه السلطات التركية في كونها على صلة بـ"فتح الله كولن".

- اعتقل الأمن أحد كبار رجال كولن (هايلز هانجي) باعتباره الذراع الأيمن لـ"كولن" والمسئول عن نقل الأموال إليه، كما اعتقل الأمن ابن شقيق كولن (محمد سعيد كولن) لاستجوابه بتهمة الانتماء لتنظيم إرهابي.

- أعلنت الحكومة تعليق العمل بالمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان بصفة مؤقتة مع التلويح باحتمالية إعادة تطبيق العمل بأحكام الإعدام في البلاد؛ مما أثار الاتحاد الأوروبي الذي يرفض ذلك وبشدة.

ردود الأفعال داخل تركيا:

مِن المؤكد أن انقلابًا عسكريًّا في تركيا هو آخر شيء تحتاجه تركيا في وقت قيام محاولة الانقلاب، حيث تعاني تركيا مِن تفاقم الحرب السورية، وتردي الأحوال في العراق، وخطر "داعش" وتهديداتها، وتمرد الأكراد؛ لذا لم يجد "أردوغان" صعوبة في جمع الأتراك حوله في مواجهة محاولة الانقلاب؛ خاصة وأن "أردوغان" كان قد نجح في تحقيق طفرة اقتصادية لتركيا، وأن تركيا عانت كثيرًا مِن الانقلابات العسكرية السابقة وتسلط العسكريين على مقاليد الأمور في البلاد، وما أعقبه مِن تعطيل الأخذ بالديمقراطية، والتضييق على الحريات، والإضرار بالاقتصاد، وتحول المؤسسة العسكرية إلى دولة داخل الدولة أو فوق الدولة؛ ولهذا:

- أعلنت سائر الأحزاب السياسية رفضها للانقلاب -وفي مقدمتها: أحزاب المعارضة الثلاثة في البرلمان- وتأييدها لأردوغان والحكومة، دعمًا للديمقراطية والحرية والاستقرار، وتجاوب الشعب بطوائفه مع الحكومة في التنديد بالانقلاب والمشاركة في مواجهته.

- دعا حزب الشعب الجمهوري -أكبر أحزاب المعارضة- الأتراك إلى التجمع -دعمًا للديمقراطية والشرعية- في ساحة تقسيم وسط إسطنبول -وهي الساحة التي طالما شهدت مِن قبْل مظاهرات مناوئة للحكومة مِن المعارضة- بعد ثمانية أيام مِن محاولة الانقلاب، وانضم إلى الدعوة حزب العدالة والتنمية الحاكم.

- التقى "أردوغان" برؤساء أحزاب المعارضة للتشاور في آخر التطورات، وشكرهم على مواقفهم الحازمة تجاه محاولة الانقلاب، ولم توجه الدعوة إلى زعيم حزب الشعوب الديمقراطي التركي الموالي للأكراد والمتهم بدعم منظمة حزب العمال الكردستاني، والذي تعتبرها الحكومة التركية منظمة إرهابية.

اختلاف التكهنات حول حقيقة محاولة الانقلاب:

تعددت وتضاربت الأقوال تضاربًا شديدًا حول المدبر الحقيقي لمحاولة الانقلاب:

- فلم يتأخر "أردوغان" عن توجيه الاتهام إلى "حركة خدمة" الموالية لكولن.

- ورأى البعض أن المجموعة التي قامت بمحاولة الانقلاب كانت تعلم بتتبع المخابرات التركية لها، وقرب اعتقال أفرادها، بتهمة أنها خلايا لحركة "خدمة" داخل الجيش، فقامت بهذه الحركة الاستباقية، لكنها لم تعد لها جيدًا، وهذا يعني أن المخابرات و"أردوغان" كانا على علمٍ بالأمر مسبقًا.

- رأى البعض أن المجموعة التي قادت محاولة الانقلاب مجموعة محدودة مِن ضباط -متوسطي الرُّتَب داخل الجيش- متمردة ساخطة على "أردوغان"؛ دفاعًا عما تبقى مِن علمانية دولة "أتاتورك"، وأن أكثر قادة الجيش لا يتعاطفون معهم؛ لذا بادروا بالتنصل منهم.

- رأى البعض أن الانقلاب مِن صنع "أردوغان" نفسه، بغرض التخلص مِن كل معارضيه الظاهرين والمحتملين، وإحكام سيطرته على البلاد.

لماذا فشل الانقلاب؟

الصفحة التالية