هل يجرؤ عاقلٌ أن ينكر أن القرآنَ كلامُ الله؟
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نزل القرآن الكريم في جاهلية وزمن كان يموج بالكفر والظلم والطغيان حتى نظر الله -تعالى- إلى أهل الأرض؛ فمقتهم عربهم وعجمهم إلا غبرٌ مِن أهل الكتاب ممن كانوا على التوحيد وملة إبراهيم -عليه السلام-، وعمَّت في هذا الزمان الأول ألوان الموبقات والمهلكات؛ فصدع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه معه -ومِن بعده- بالقرآن، وبما جاءهم به النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الهدى والبيان؛ فإذا بهذا العالم المظلم يتغير، ويشرق بنور القرآن وشمس الإسلام في مدة يسيرة لا تعد شيئًا مذكورًا في عمر الزمان!
فهل عرفت البشرية قبْل القرآن كتابا عبْر عصورها استطاع أن يصنع ذلك، واستطاع أن يمتد أثره ونوره عبْر الأجيال والأزمان؟!
ولا شك أن مثل هذا السؤال لا يحتاج في جوابه إلى تفكر وإمهال! فإن الجواب المقطوع به هو النفي المحقق؛ فإن البشرية لم تعرف كتابًا استطاع أن يسبر أعماق النفس الإنسانية ويرسم لها طريق الهداية والنجاة مثل القرآن "لا قبْله ولا بعده"، وإن كل مَن طالع القرآن يتبين له ذلك؛ لأن القرآنَ كلامُ الله!
وما عرفت البشرية كتابًا على وجه الأرض تعرَّض لحملات التشويه والتلبيس مثلما تعرض "القرآن الكريم" -ولا يزال-؛ فقد اجتمع على صدِّ الناس عنه وصرفهم عما فيه مِن الهدى والرحمة والخير جماعات مِن شياطين الإنس والجن على مرِّ الدهور والأزمان، واختلاف الأماكن والبلدان؛ تواصوا على القيام بهذا الدور الإبليسي الوضيع.
ومع ذلك؛ فما استطاع أحدٌ -ولن يستطيع- تحريف حرفٍ واحدٍ منه والنيل منه أو الوصول إلى مقصده الخبيث مِن إزالة جلال القرآن وهيبته مِن نفوس المسلمين!
ومعلوم أن المسلمين هم أكثر الناس على وجه الأرض تعرضًا للتشويش والشبهات حول نصوص دينهم وعقيدتهم؛ سواء من قِبَل الوثنيين أو الليبراليين والعلمانيين -أو حتى أهل الكتاب- الذين يثيرون الشبهات حول "القرآن الكريم" على وجه الخصوص؛ وإلا فإن الطعن في التوراة والإنجيل ليس مطروحًا أصلاً على أجندة القوم أو يأتي لهم على بال؛ وما سمعنا لأحدٍ مِن هؤلاء القوم الذين يصمون المسلمين وكتابهم بأبشع التهم ويرمونهم بأباطيل وافتراءاتٍ ما أنزل الله بها مِن سلطان - ما سمعنا منهم عشر معشار ذلك حتى في أهل الإرهاب الذين لا يختلف على إرهابهم وظلمهم مَن لديه أقل درجات العدل والإنصاف -كاليهود وعباد الأبقار والأوثان-، بل لا يخفى على أحدٍ ما تجره الدول العظمى -زعموا!- على العالم مِن الدمار والخراب، والسكوت عن المجازر والإبادة الجماعية التي تحصل -ولا تزال- للمسلمين في كثير مِن البلدان، ومع كل ذلك لا تنصرف همم هؤلاء إلا لحرب القرآن والإسلام، ووصمه بأنه دين الكراهية والإرهاب!
وهذا الهجوم على "القرآن" إن دلَّ على شيء؛ فلا يدل إلا على أن هؤلاء يعلمون جيدًا قدْر القرآن، وأثر القرآن، وتصريحات القوم واعترافاتهم مِن أشهر ما يكون في ذلك؛ فهذا -على سبيل المثال- "جلاد ستون" رئيس وزراء إنكلترا قال: "ما دام هذا القرآن موجودًا في أيدي المسلمين؛ فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان!".
وهو القائل أيضًا: "لن تستقيم حالة الشرق ما لم يُرفع الحجاب عن وجه المرأة ويُغطى به القرآن!".
وهذا "كرومر" قال: "جئت لأمحو ثلاثـًا: القرآن والكعبة والأزهر!".
ومِن عجيب الأمر أنه لا يزال أفاكي عصرنا وأكابر مجرميه يهرفون بما تكلم به مَن سبقهم مِن رؤوس الكفر والشرك مِن أن القرآن كلام بشر، ويزعمون أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- اختلق القرآن واخترعه، وهذه شبهة مِن أسخف الشبه وأضعفها ردها الله -تعالى- بقوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا . وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) (الفرقان:4-6) .
- ثم كيف لمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- في بيئته تلك وفي بشريته أن يعلم بأخبار الأولين أو أن يتوصل إلى علوم الآخرين؟ وكيف يخبر بالغيوب الكثيرة التي ذُكرت في القرآن الكريم؟! والتي منها ما تحقق في حياته -صلى الله عليه وسلم-، ومنها ما تحقق بعد وفاته، تمامًا كما جاء في القرآن.
- وإن أي كاتب إذا كَتب كتابًا وتكلم كلامًا؛ فلا بد وأن يجد الناس في كتابه وكلامه ما ينبِّه العقلاء إلى أنه كلام بشر، فإن البشر يكتبون ويعبِّرون وفق علومهم ومعارفهم، ووفق ما تجيش به صدورهم وأحاسيسهم، وهذا لم يحدث قط مع محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-.
بالإضافة إلى أن كلام محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- هو أفصح كلام تكلم به بشر؛ إذ أوتي -صلى الله عليه وسلم- جوامع الكلم، ومع ذلك فإن البون شاسع بيْن كلامه -صلى الله عليه وسلم- وبيْن القرآن العظيم الذي هو الغاية في الفصاحة والبيان؛ ولمَ لا؟! والقرآن العظيم هو كلام الملك -سبحانه-، وكلام الملك هو ملك الكلام.
- هذا بالإضافة إلى الآيات التي عوتب فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في سورة "عبس" وسورة "التحريم"؛ ولو كان محمد -صلى الله عليه وسلم- مؤلف القرآن لما قال فيما هو في ظاهره خطاب له -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (الإسراء:74-75) .
ولو كان مِن تأليفه لما قال عن نفسه: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) (الحاقة:44-47) ، فما هكذا يكتب البشر عن أنفسهم!
ماذا لو لم يكن القرآن كلام الله؟!: