شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل يجرؤ عاقلٌ أن ينكر أن القرآنَ كلامُ الله؟

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين

- إذا كان هناك كتاب يزعم المبطلون والأفاكون أنه ليس كلام الله، واستطاع أن يفعل ما لم تفعله التوراة والإنجيل مِن كتب أهل الكتاب التي ينسبونها -على ما فيها مِن تحريف- إلى الله، والتي لم تصنع ما صنع القرآن في قلوب الناس وضمائرهم وأرواحهم... فما الذي يعنيه ذلك؟ (مع أن هذه الكتب لا سبيل إلى إثبات أن لها وجودًا أصلاً إلا مِن خلال القرآن؛ لأنها منقطعة السند إلى أنبياء الله -عليهم صلوات الله وسلامه-).

- وإذا كان هناك كتاب استطاع أن يصنع ما لم تصنعه دساتير وقوانين البشر مِن صفوة عقولهم -زعموا!- جمعاء... ولم يكن هذا الكتاب كتاب الله، ولم يكن هذا الكلام كلام الإله الحق الواحد -جلَّ جلاله-، وكان كلام مخلوق مِن المخلوقين - فهل معنى ذلك إلا القول بأن هناك مَن هو أكمل وأعظم مِن هذا الإله في علمه وحكمته وتشريعاته؟!

وهذا محال!

- وإذا كان القرآن الكريم ليس كلام الله، وهو مع ذلك محفوظ لم -ولن- يتبدل أو يُحرف منه حرف واحد؛ غضًّا طريًّا كأنه نزل الآن في الوقت الذي لا يستطيع أحدٌ أن ينكر عدم حصول التحريف في التوراة والإنجيل؛ فهل يعني ذلك إلا أن القرآن العظيم كلام الله الذي اختصه -عز وجل- دون سائر كلامه في الكتب السابقة بتولي حفظه مِن التحريف والتغيير والزيادة والنقصان؟! قال الله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) .

فلم يبقَ في حس كل عاقل ومنصف إلا أن يشهد بأن القرآن العظيم كلام الله؛ إذ أن ما اشتمل عليه القرآن مِن أنواع الهداية، والمصالح الدينية والدنيوية، والتشريعات العظيمة؛ لم تأتِ في كتاب قبْله ولا بعده قط، ولم يصل إليه شيء مِن الكتب السابقة التي تنسب إلى الله -تعالى-؛ فضلاً أن يصل إلى ذلك غيرها! فمهما حاول الناس أن يسنوا تشريعات وقوانين لتنظيم حياتهم، فلا يمكن أن تفلح ما دامت بعيدة عن توجيهات القرآن، وبقدر هذا البُعد بقدر ما يكون الفشل.

ومَن كفر بأن القرآن كلام الله، فقد كفر بكل الحقائق، وأنكر كل المعقولات، وخلط بيْن الجائز والممتنع، وبيْن الممكن والمستحيل؛ إذ لو كانت تلك الفرضية جائزة وغير مستحيلة؛ فلا مستحيل في الكون، ولو جازت في عقل أحدٍ؛ فقد جاز عنده كل شيء! إذ أن أدلة كون القرآن كلام الله لا يستطيع عاقل أن يدفعها عن نفسه.

وقد عقد "رحمة الله الهندي" في كتابه "إظهار الحق" طرفـًا مِن الأمور التي تدل على أن القرآن العظيم كلام الله، فقال -رحمه الله-:

"1- إن القرآن في الدرجة العالية مِن البلاغة التي لم يُعهد مثلها، وهي عبارة عن التعبير باللفظ المعجب عن المعنى المناسب للمقام الذي أورد فيه الكلام بلا زيادة ولا نقصان في البيان والدلالة عليه، وعلى هذا كلما ازداد شرف الألفاظ ورونق المعاني ومطابقة الدلالة كان الكلام أبلغ.

2- تأليفه العجيب وأسلوبه الغريب في المطالع والمقاطع والفواصل، مع اشتماله على دقائق البيان وحقائق العرفان، وحسن العبارة، ولطف الإشارة، وسلامة التركيب، وسلامة الترتيب، فتحيرت فيه عقول العرب العرباء، وفهوم الفصحاء!

3- كون القرآن منطويًا على الإخبار عن حوادث آتية؛ فوُجدت في الأيام اللاحقة على الوجه الذي أخبر، كقوله -تعالى-: ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ) (الفتح:27) ، فوقع كما أخبر، ودخل الصحابة المسجد الحرام آمنين، محلقين رؤوسهم ومقصرين غير خائفين.

وكقوله -تعالى-: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (النور:55) ، فكان الله وعد المؤمنين بجعل الخلفاء منهم، وتمكين الدين المرضي لهم، وتبديل خوفهم بالأمن، وغير ذلك كثير.

4- ما أخبر مِن أخبار القرون السالفة والأمم الهالكة، وقد علم أنه كان أميًّا؛ ما قرأ ولا كتب، ولا اشتغل بمدارسة مع العلماء، ولا مجالسة مع الفضلاء، بل تربى بيْن قوم كانوا يعبدون الأصنام ولا يعرفون الكتاب، وكانوا عارين عن العلوم العقلية أيضًا، ولم يغب عن قومه غيبة يمكن له التعلم فيها مِن غيرهم.

5- ما فيه مِن كشف أسرار المنافقين حيث كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة مِن المكر والكيد، وكان الله يُطلع رسوله -صلى الله عليه وسلم- على تلك الأحوال حالاً فحالاً، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، فما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، وكذا ما فيه مِن كشف حال اليهود وضمائرهم.

6- جمعه لمعارف جزئية، وعلوم كلية لم تعهدها العرب عامة، ولا محمد -صلى الله عليه وسلم- خاصة؛ مِن علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجج العقلية، والسِّير والمواعظ والحكم، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب.

7- كونه بريئًا عن الاختلاف والتفاوت مع أنه كتاب كبير مشتمل على أنواع كثيرة مِن العلوم؛ فلو كان ذلك مِن عند غير الله لوقعت فيه أنواع مِن الكلمات المتناقضة؛ لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك، ولما لم يوجد فيه ذلك؛ علمنا أنه ليس مِن عند غير الله، كما قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) ، وإلى هذه الأمور السبعة المذكورة أشار الله -تعالى- بقوله: ( أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (الفرقان:6) ؛ لأن مثل هذه البلاغة والأسلوب العجيب، والإخبار عن الغيوب، والاشتمال على أنواع العلوم والبراءة مِن الاختلاف والتفاوت، مع كون الكتاب كبيرًا مشتملاً على أنواع العلوم؛ لا يأتي إلا مِن العالم الذي لا يغيب عن علمه مثقال ذرة مما في السماوات والأرض!

الصفحة السابقة الصفحة التالية