شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(صفحات مِن ذاكرة التاريخ) (5) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وعن أم حرام بنت ملحان -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا )، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: ( أَنْتِ فِيهِمْ )، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ )، فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( لاَ ) (رواه البخاري) . ( مَدِينَة قَيْصَرَ ): أي القسطنطينية. ( قَدْ أَوْجَبُوا ): أي فعلوا فعلاً وجبتْ لهم به الجنة.

قال ابن حجر -رحمه لله-: "ومِن المتفق عليه بيْن المؤرخين أن غزو البحر وفتح جزيرة قبرص كان في سنة 27هـ في إمارة معاوية -رضي الله عنه- على الشام أثناء خلافة عثمان -رضي الله عنه-" (فتح الباري) .

وكان معاوية -رضي الله عنه- أهلاً للإمارة والخلافة معًا، ومِن أجل هذه الأهلية ظلَّ أميرًا على الشام عشرين سنة، وخليفة للمسلمين ما يقرب مِن عشرين سنة؛ فلم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك.

وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال بعد رجوعه مِن صفين: "أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنكم لو فقدتموها رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل".

وقد حزن معاوية -رضي الله عنه- لمقتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حزنًا شديدًا؛ فيروى أنه عندما جاءه خبر قتله بكى بكاءً شديدًا، فقالت له امرأته: "أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس مِن الفضل والفقه والعلم!".

وذُكِر عمر بن عبد العزيز عند الأعمش فقال: "فكيف لو أدركتم معاوية؟! قالوا: في حلمه، قال: لا والله، في عدله".

وإليك شهادة الذهبي -رحمه الله- له حيث يقول: "وحَسْبُك بمن يؤمِّره عمر ثم عثمان على إقليم فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويُرضي الناس بسخائه وحلمه، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفَرْط حلمه وسعة نفسه، وقوه دهائه ورأيه" اهـ .

وما أكثر الفتوحات التي تمت في عهد عثمان بن عفان على يد معاوية -رضي الله عنهما-، ثم ما أكثر الفتوحات التي كانت في خلافته، فبعد أن أستقر الأمر لمعاوية بن أبي سفيان سنة 41هـ خليفة للمسلمين باشر في تطوير الأسطول البحري ليكون قادرًا على دك معاقل القسطنطينية عاصمة الروم ومبعث العدوان والخطر الدائم ضد المسلمين، وأنشأ أول دار صناعة للأساطيل لإنتاج السفن الحربية المختلفة بمصر سنة 54هـ.

يقول محب الدين الخطيب معلـِّقـًا على أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ما رأيتُ رجلاً أخلق بالمُلك مِن معاوية": وهل يكون الرجل أخلق الناس بالملك إلا أن يكون عادلاً حكيمًا، يحسن الدفاع عن ملكه، ويستعين بالله في نشر دعوة الله في الممالك الأخرى، ويقوم بالأمانة في الأمة التي ائتمنه الله عليها؟! والذي يكون أخلق الناس بالملك هل يُلام عثمان على توليته؟ ويا عجبًا كيف يُلام عثمان على توليته، وقد ولاه مِن قبْله عمر، وتولى لأبي بكر مِن قبْل عمر، وتولى بعض عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبْل أن تصير الخلافة إلى أبي بكر وعمر وعثمان! إن المخ الذي يَعبث به الشيطان فيسول له مثل هذه الوساوس لا شك أنه مخ فاسد، يفسد على الناس عقولهم ومنطقهم قبْل أن يفسد عليهم دينهم وتاريخهم" اهـ .

وأما توليته لعبد الله بن عامر فهو مِن بني أمية مِن جهة الأب، ومِن بني هاشم مِن جهة الأم، فأم جدته الكبرى عمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن أم أبيه أروى بنت كريز أمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما ولد عبد الله بن عامر بن قريظ أُتي به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال لأهله: "هَذَا أَشْبَهُ بِنَا مِنْهُ بِكُمْ"، ثم تفل في فيه فازدرده، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَسْقِيًّا" (دلائل النبوة للبيهقي) ، فكان -رضي الله عنه- لا يعالج أرضًا إلا ظهر منها الماء، ذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة.

ويُعد عبد الله بن عامر مِن أشهر الفاتحين في الإسلام، فقد فتح خراسان كلها، وأطراف فارس، وسجستان، وأعاد فتح كرمان بعد نقضها للعهد، وكان هذا الجهاد سببًا في تقويض آمال المجوس في استعادة مُلكهم، ومِن ثَمَّ يكنّون له هذا الحقد العظيم في نفوسهم، وعندما انطلق الشيعة مِن تلك الأراضي أخذوا يطعنون فيمن قوضوا ملك فارس مِن أمثال المجاهد عبد الله بن عامر بن قريظ الذي فعل هذا، ولم يكن يبلغ مِن العمر سوى خمسة وعشرين سنة.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "هو أول مَن اتخذ الحياض بعرفة لحجاج بيت الله الحرام، وأجرى إليها الماء المعين" (البداية والنهاية) .

وقال ابن تيمية -رحمه الله-: "إن له مِن الحسنات، والمحبة في قلوب الناس ما لا يُنكر" (منهاج السنة) .

- وأما توليته مروان بن الحكم....

فمَن هو مروان بن الحكم؟

هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، والحديث في صحيح البخاري عن مروان والمسور بن مخرمة، كما روى مروان عن عمر وعثمان، وكان كاتبَه -أي كان كاتب عثمان- وروى عن علي وزيد بن ثابت، وروى عنه ابنه عبد الملك وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين "زين العابدين"، ومجاهد، وغيرهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية