(صفحات مِن ذاكرة التاريخ) (5) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
وكان مروان بن الحكم مِن سادات قريش وفضلائها، وقد قاتل مروان يوم الدار قتالاً شديدًا، وقَتَلَ بعض الخارجين على عثمان، وكان على الميسرة يوم الجمل، وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يكثر السؤال عن مروان حين انهزم الناس يوم الجمل، يَخشى عليه مِن القتل، فلما سُئِلَ عن ذلك قال: إنه يعطفني عليه رحم ماسة، وهو سيد مِن شباب قريش، وكان مروان -رضي الله عنه- قارئًا لكتاب الله، فقيهًا في دين الله، شديدًا في حدود الله، ومِن أجل ذلك ولاه معاوية المدينة غير مرة، والواقع أن مروان بن الحكم لم يُولَّ، وإنما كان عثمان -رضي الله عنه- يستشيره في كثير مِن الأمور، وكان يقربه إليه، ولم يولِّه إمارةً مِن الإمارات.
قال القاضي ابن العربي -رحمه الله-: "مروان رجل عدل مِن كبار الأمة عند الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين" (العواصم مِن القواصم) .
وكان مروان جوادًا كريمًا، فقد روى المدائني عن إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد أن مروان أسلف علي بن الحسين -رضي الله عنهما- حين رجع إلى المدينة بعد مقتل الحسين -رضي الله عنه- ستة آلاف دينار، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع مِن علي بن الحسين شيئًا، فبعث إليه عبد الملك بذلك فامتنع مِن قبولها، فألح عليه فقبلها، وكان الحسن والحسين يصليان خلف مروان ولا يعيدان, وكان إذا وقعت معضلة أثناء ولايته على المدينة جمع مَن عنده مِن الصحابة فاستشارهم فيها, وهو الذي جمع الصيعان فأخذ بأعدلها, فنسب إليه فقيل صاع مروان, وكان ذا شهامةٍ وشجاعةٍ، ومكرٍ ودهاء.
وبعد وفاة معاوية بن يزيد اضطرب أمر بني أمية اضطرابًا شديدًا، وكادت دولتهم أن تذهب لولا أن تداركوا أمرهم فيما بينهم، وفي هذا التوقيت أخذ عبد الله بن الزبير البيعة لنفسه في مكة، وبدأت البيعة تأتيه مِن سائر الأقاليم حتى مِن بلاد الشام ذاتها مركز ثقل الأمويين، فقد انقسم أهلها إلى فريقين: فريق مال إلى ابن الزبير، والفريق الآخر ظل على ولائه للأمويين.
وكان مروان وبنوه في المدينة عند وفاة يزيد بن معاوية، ثم رحلوا إلى الشام، فلما وصلوها وجدوا الأمر مضطربًا والانقسامات على أشدها، مما جعل مروان يفكر في العودة إلى الحجاز ومبايعة ابن الزبير، فهناك روايات تذكر أن مروان بن الحكم كان قد عزم على مبايعة ابن الزبير لولا أن تدخل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير السكوني وغيرهما في آخر لحظة وأثنوه عن عزمه.
وفي النهاية نقول: إن عثمان -رضي الله عنه- لم يولِّ مروان كما يدَّعي الكذابون، وإنما كان عثمان -رضي الله عنه- يستشيره في كثير مِن الأمور، وكان يقربه إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- البداية والنهاية لابن كثير.
- تاريخ الرسل والملوك للطبري.
- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.
- منهاج السُّنة لابن تيمية.
- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.
- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.