شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (5) هلاك الفراعنة

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- التذكير بما سبق مختصرًا: اشتداد المحنة بالمؤمنين، وإمعان الفراعنة في قتل وتعذيب بني إسرائيل، على رغم ما أصابهم مِن ابتلاء، وتعهدهم بالتوبة، ولكن نكثوا عهدهم وازدادوا ضراوة في تعذيب بني إسرائيل؛ مما اضطر بني إسرائيل إلى الخروج مِن مصر، فارين بدينهم، عائدين إلى فلسطين.

- الإشارة إلى أحداث اليوم: خروج بني إسرائيل إلى جهة البحر، وتعقب الفراعنة لهم، وعبور المؤمنين البحر، بعد آية العصا، وغرق الفراعين في البحر، وزوال ملكهم وعروشهم، ثم الدروس والعِبَر حول ذلك.

- تفاصيل الأحداث مِن خلال آيات سور الشعراء: قال الله -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ . فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ . فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:52-68) .

- ملخص الآيات: "يخبرنا ربنا -تعالى- عن خروج بني إسرائيل مِن مصر، وركوب فرعون في جنوده طالبًا لهم أن يقفوا أثرهم، وهو في جيش كثيف عرمرم، وأنه أدركهم عند شروق الشمس، ولما تراءى الجمعان، وعاين كل مِن الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، ولم يبقَ إلا المقاتلة، وأصحاب موسى لا يقاومونهم عدة ولا عدد، فقالوا لموسى -عليه السلام-: ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ )؛ وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه، وهذا ما لا يستطيعه أحدٌ ولا يقدر عليه، وفرعون مِن ورائهم قد وواجههم، وهم منه في غاية الخوف والذعر؛ لما قاسوه مِن سلطانه مِن الإهانة والمكر؛ فشكوا إلى نبي الله موسى -عليه السلام-، فقال لهم الرسول الصادق: ( كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ )، وتقدَّم إلى جهة البحر، وهو يقول: ها هنا أمرتُ؛ فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد، واقترب فرعون وجنوده بحدهم وحديدهم، وزاغت الأبصار؛ فعند ذلك نزل الوحي مِن الحليم العظيم القدير إلى موسى الكليم -عليه السلام-: ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ )، فلما ضربه، يُقال إنه قال له: انفلق بإذن الله ( فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ).

وأمر الله الريح، فلفحت حال البحر -طين أرضه-؛ فأذهبته حتى صار يابسًا، لا تعلق به سنابك الخيل والدواب ولا الأقدام ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ) (طه:77) ، فانحدر موسى -عليه السلام- وبنو إسرائيل فيه مسرعين مستبشرين، وقد شاهدوا مِن الأمر العظيم ما يحير الناظرين، ويطمئن قلوب المؤمنين؛ فلما جاوزوه وخرج آخرهم منه، انفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون ووفودهم عليه، فأراد موسى -عليه السلام- أن يضرب البحر بعصاه ليرجعه كما كان عليه؛ لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القدير -سبحانه- أن يترك البحر على هذا الحال، كما قال الله -تعالى-: ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ) (الدخان:24) ، أي: ساكنًا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة.

فلما تركه على هيئته وحالة، وانتهى الفرعون فرأى ما رأى، وعاين ما عاين؛ هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبْل ذلك مِن أن هذا مِن فعل رب العرش الكريم؛ فأحجم ولم يتقدم، وندِم على نفسه على خروجه في طلبهم، لكنه أظهر لجنوده تجلدًا، وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه، وعلى باطله تابعوه: "انظروا كيف انحسر البحر لي؛ لأدرك عبيدي الآبقين مِن يدي، الخارجين عن طاعتي وبلدي؟!" وجعل يقدم تارة، ويحجم تارات!

الصفحة التالية