شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (5) هلاك الفراعنة

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

وقيل: إن جبريل -عليه السلام- تبدى في صورة فارس راكب على فرس أنثى مشتهاة، فمر بيْن يدي فحل الفرعون، فحمحم إليها وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر، واستبق الجواد فبادر مسرعًا خلف فرس جبريل، هذا وفرعون ليس لا يملك مِن نفسه ضرًّا ولا نفعًا؛ فلما رأته الجنود سلك البحر، اقتحموا وراءه مسرعين، فخلصوا في البحر أجمعين، حتى همَّ أولهم بالخروج منه؛ فعند ذلك أمر الله كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فارتطم عليه البحر كما كان، وجعلت الأمواج تخفض فرعون تارة، وترفعه تارة، وبنو إسرائيل ينظرون إليه، والى جنوده، ماذا أحل الله بهم مِن البأس العظيم، والخطب الجسيم؛ ليكون أقر لأعينهم وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به، وباشر سكرات الموت، أناب حينئذٍ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفس إيمانها، كما قال -تعالى- عنه: ( حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) (يونس:90-92) ، وهكذا لم ينجُ منهم إنسان، ونجى الله المؤمنين فلم يصب منهم أحد، كما قال الله -تعالى-: ( وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) (الشعراء:65-66) ، وذلك برهان قاطع على قدرته -تعالى- العظيمة، وصدق رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء به عن ربه مِن الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة" (قصص الأنبياء لابن كثير، بتصرف) .

وقفات ودروس وعبر:

1ـ لماذا توجَّه موسى -عليه السلام- جهة البحر ولم يقصد جهة البر؟

الجواب: المنطقة التي دارت فيها الأحداث هي منطقة خليج السويس، والذي يخرج مِن منطقة جنوب الدلتا بمصر حيث كان حياة الفراعنة، قاصدًا فلسطين، فهو يتجه ناحية الشرق برًّا، وهو الطريق الذي دخل منها بنو إسرائيل مصر مع يعقوب -عليه السلام- لما جاءوا مِن فلسطين، وأما اتجاه موسى -عليه السلام- إلى جهة الجنوب الشرقي، فكان بتقدير ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر ) (القمر:49) ، وبوحي مِن الله ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى )، ( لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ) (الأنفال:42) .

2ـ لماذا قدَّم ذكر المعية في كلام موسى -عليه السلام-: ( قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) ، وأخَّر في كلام نبينا -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (التوبة:40) ؟

الجواب: الفرق يرجع إلى اختلاف المخاطـَب، فكان تقديم المعية في قول موسى -عليه السلام-؛ لأن المخاطَب -وهم بنو إسرائيل- كانوا في شكٍ وفزع وخوف، فكان المناسب تقديم المعية إشعارًا بالمدد السريع، وكان تقديم لفظ الجلالة في قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن المخاطـَب -وهو الصديق- لم يكن في شك، إنما كان في خوف على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فناسب تقديم لفظ الجلالة، حيث الأنس به في تلك الوحشة، وهو ظاهر في تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا ‏أَبَا بَكْرٍ ‏‏مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ) (متفق عليه) ، فتأمل الفرق؛ لتعرف كيف كان الأنبياء يتعبدون لله بأسمائه وصفاته؟

3ـ لماذا اقتران العزة بالرحمة في الآية الخاتمة -وهما متقابلتان-: ( وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )؟

الجواب: لأنه -سبحانه- عزيز في إهلاكه أعداءه؛ فلم ينجِ منهم أحدًا، وهو رحيم -سبحانه- بأوليائه؛ فلم يُغرق منهم أحدًا.

فائدة حول ذلك: أنكر الأعرابي الفصيح قراءة رجل لقوله -تعالى-: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (المائدة:38) ، لما قرأها الرجل:"والله عزيز رحيم"، فقال الأعرابي المتدبر: "لو رحم ما قطع"، ولم يكن الأعرابي يحفظ الآيات، ولكن بتدبره وتعبده بالأسماء والصفات انتبه إلى ذلك!

4ـ لماذا كان الفراعنة أعداءنا، وكان بنو إسرائيل إخواننا؟

الجواب: لأن الفراعنة كانوا كفرة، وبنو إسرائيل كانوا مسلمين، قال الله -تعالى-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) (الممتحنة:4) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: الْمُوَالَاةُ فِي اللهِ, وَالْمُعَادَاةُ فِي اللهِ, وَالْحُبُّ فِي اللهِ, وَالْبُغْضُ فِي اللهِ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) ، ولما كفر بنو إسرائيل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ) (متفق عليه) .

5ـ إهلاك الفراعنة عبرة لمن يعتبر: قال الله: ( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) (القصص:40) ، وقال: ( فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ ) (الزخرف:55-56) ، وقال: ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) (يونس:92) ، وقال: ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) (الدخان:25-29) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية