شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأهداف الثلاثة اليومية لطلاب السعادة الأخروية والدنيوية

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما أكثر التحديات والشبهات المعاصِرة التي يتعرض لها الفرد المسلم في تلك الآونة -بل والأمة المسلمة ككل-؛ ليس فقط في أوقات محدودة، بل ربما كانت على مدار اليوم والساعات؛ سواء تلك التحديات والشبهات المتعلقة بالجانب العلمي الاعتقادي المتمثل في محاولات أعداء الأمة "في الداخل والخارج" بعث المناهج المنحرفة مِن سباتها العميق -أو إن شئتَ قلتَ مِن مدافنها-؛ إذ يُفسح المجال للطاعنين في الدين، ويُسلَط الضوء على العقائد المخالفة لمنهج أهل السُّنة والجماعة مِن الشيعة وغلاة الصوفية؛ بل ولمن يزعم عدم لزوم اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وعدم لزوم الإقرار برسالته! أو تلك الشبهات المتعلقة بالسعي الحثيث لتأصيل البدعيات ونشرها وتصويرها للناس على أنها منهج النبي -عليه الصلاة والسلام- ومنهج الفرقة الناجية، أو تلك المتعلقة بعمل الفرد المسلم وسعيه لاكتساب المعاش بتزيين المكاسب المحرمة وتسويغها -ولو كانت بالربا والرقص والغناء-، وتضيق المكاسب الحلال، وخصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي قد يسول الشيطان فيها لضعاف الإيمان الاستسلام والسقوط في أدناس الكسب الحرام مِن الربا والرشوة والبيوع المحرمة؛ هذا غير الترويج للفواحش والمنكرات في ذات الوقت الذي يحارب فيه النقاب، بل والحجاب!

وكل هذه المساعي -لأجل نشر العقائد المنحرفة المخالفة للكتاب والسُّنة- يشرف على أدائها وتنفيذها محترفون أصليون، وأذناب وعملاء مخلصون؛ ليجعلوا المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ويحسِّنوا القبيح في عقول الناس وعيونهم، وهي مساع خائبة -إن شاء الله-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ . وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) (يونس:81-82) .

وكل هذا يزيد مِن حاجة المسلم إلى تحصيل العلم النافع الذي يحميه مِن هذه الشبهات المتدافعة عليه مِن كل صوب وناحية، والذي يمكِّنه مِن التمييز بيْن الحلال والحرام، واكتساب المال مِن حله؛ ليحصِّل الرزق الطيب الذي لا يحل له سواه، وكذلك يزيد مِن حاجته إلى عبادة الله -تعالى- على بصيرة والتقرب إليه بما يحبه ويرضاه ويقبله مِن الأعمال الصالحة الموافقة للكتاب والسُّنة؛ حتى يزداد ارتباطًا بالوحي ويبتعد عن الهوى.

وقد جمع نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كل هذه المقاصد التي لا يستغني عنها الإنسان في يومه الحاضر -وفي كل يوم بعده- في جمل يسيرة تحدد للمسلم الأهداف الجليلة والمقاصد العظيمة التي ينبغي أن يضعها نصب عينيه في يومه ونهاره إلى مسائه، وفي كل أوقاته؛ فما مِن مسلم إلا وهو يحتاج في كل يوم إلى تكميلها وتحصيلها مِن أحسن طريق وأسرعه.

وهذا فيما جاء عن أم سلمة -رضي الله عنها-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلاً ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

فتضمن هذا الدعاء العظيم طلب العلم النافع الذي به يستطيع المرء التمييز بيْن الهدى والضلال، والرشد والغي، والعمل الصالح وغير الصالح، وبين الرزق الطيب وغير الطيب، وبين السنة والبدعة؛ فإن من لم يكن على علمٍ فإن الأمور قد تختلط عليه فيقوم بالعمل يحسبه صالحًا نافعًا، وهو ليس كذلك، قال الله -تعالى-: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) (الكهف:103-104) .

فبدأ -صلى الله عليه وسلم- بسؤال العلم النافع؛ لأجل ذلك، وثنى بسؤال الرزق الطيب قبْل سؤال العمل المتقبل؛ لأنه كلما تيسر للعبد الرزق الطيب، كلما تفرغ للعمل الذي يقرِّب إلى الله -تعالى-؛ ولأن مَن حصل العلم النافع بفضل الله عليه، وحصل الرزق الطيب؛ فهل بقي له إلا أن يسأل ربه -عز وجل- التوفيق إلى العمل الصالح المتقبل؟!

قال الإمام الشوكاني -رحمه الله-: "وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْعِلْمَ بِالنَّافِعِ، وَالرِّزْقَ بِالطَّيِّبِ، وَالْعَمَلَ بِالْمُتَقَبَّلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ فَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ ذَرَائِعِ الشَّقَاوَةِ؛ وَلِذَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَعَوَّذُ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ. وَكُلِّ رِزْقٍ غَيْرِ طَيِّبٍ مُوقِعٍ فِي وَرْطَةِ الْعِقَابِ. وَكُلِّ عَمَلٍ غَيْرِ مُتَقَبَّلٍ إتْعَابٍ لِلنَّفْسِ فِي غَيْرِ طَائِلٍ. اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَرِزْقٍ لَا يُطَيَّبُ وَعَمَلٍ لَا يُتَقَبَّلُ" (نيل الأوطار).

وقد امتدح الله -تعالى- العلم وأهله، وتكاثرت النصوص في الكتاب والسُّنة في الحث على طلب العلم والترغيب في تحصيله، وبيان فضل مَن سلك سبيله، فمن ذلك قول الله -تعالى-: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (الزمر:9) .

وقد بيَّنت أم سلمة -رضي الله عنها- في هذا الحديث أن محل هذا الدعاء العظيم هو بعد السلام مِن صلاة الصبح؛ فهو مِن الأذكار الصباحية التي يَستفتح بها المسلم يومه؛ ليتذكر أهداف هذا اليوم -وكل يوم-، وليستحضر مراده في هذا اليوم الجديد -وفي كل يوم بعده-.

وقول أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول إذا صلى الصبح إلخ، يدل على مواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحرصه الشديد على هذا الدعاء في صباح كل يوم.

- وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ): يفيد التبرؤ مِن الحول والقوة، وأن العبد لا قدرة له على تحصيل هذه المقاصد مِن العلم النافع, والرزق الطيب، والعمل الصالح المتقبل إلا بالاستعانة بالله.

الصفحة التالية