شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأهداف الثلاثة اليومية لطلاب السعادة الأخروية والدنيوية

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين

- وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (عِلْمًا نَافِعًا): يفيد أن العلم نوعان، وأنه ليس كل علم ينتفع به الإنسان، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ بالله -تعالى- مِن العلم الذي لا ينفع.

والعلم النافع في المقام الأول هو علم الوحي والشريعة، والعلم بما أنزله الله -تعالى- على رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا هو العلم الذي امتدح الله أهله، وأوجب على الناس معرفته؛ على الأقل بالقدر الذي تسلم به عقائدهم، وتصح به عباداتهم ومعاملاتهم، وتزكو به نفوسهم؛ فلا بد أن يتعلم كل مسلم عقيدة أهل السُّنة والجماعة، وأن يعلم مَن هي الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-، التي تؤمن بما جاء في الوحي على مراد الله وعلى مراد رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

فيثبِت لله -تعالى- ما أثبته الله لنفسه مِن الأسماء والصفات، وينفي ما نفاه الله عن نفسه، ويسكت عما سكت الله عنه، وكذا ما جاء عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا كله في إطار قول الله -تعالى-: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى:11) ؛ فنؤمن بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به نبيه -صلى الله عليه وسلم- مِن غير تعطيل ولا تحريف، ومِن غير تكييف، ونمر هذه الصفات كما جاءت في الكتاب والسُّنة.

فأعظم العلم هو ما ينال به المسلم القُربَ مِن ربه، والمعرفة بدينه، والبصيرة بسبيل الحق الذي ينبغي أن يسير عليه، وتأمَّل في هذا قول الله -تبارك وتعالى-: ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (المائدة:15-16) ، وقوله: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (فاطر:28) ، وقوله: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (الزمر:9) ، وقوله: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (المجادلة:11) ، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقال: ( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ) (رواه مسلم) .

ولم يأمر الله -عز وجل- نبيه بالاستزادة مِن شيء إلا العلم، فقال -سبحانه وتعالى-: ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) (طه:114) ، - وذكر الله -تعالى- لنا في القرآن همة موسى -عليه السلام- في الحرص على العلم وتحصيله في رحلة شاقة طويلة تبع فيها الخضر.

- وقد كان سلفنا الصالح في غاية الحرص على تحصيل العلم: "فَعَنْ فَرْقَد إِمَامَ مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ قَالَ: دَخَلُوا عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ, فَحَدَّثَهُ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ فَأَعْجَبَهُ وَضَرَبَ يَدَهُ إِلَى تَحْتِ فِرَاشِهِ, فَأَخْرَجَ أَلْوَاحًا لَهُ فَكَتَبَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ, فَقَالُوا لَهُ: عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مِنْكَ؟ فَقَالَ: "إِنَّهُ حَسَنٌ، إِنْ بَقِيتُ فَقَدْ سَمِعْتُ حَسَنًا, وَإِنْ مُتُّ فَقَدْ كَتَبْتُ حَسَنًا" (حلية الأولياء) .

فحريٌّ بالمسلم أن يعتني بالقرآن الكريم وبمذاكرته ومدارسته، وتدبره والعمل به، وأن يعتني بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- المبينة له، والشارحة لدلالاته ومقاصده.

والعلوم الدنيوية وإن كان فيها نفع بلا شك "بل كثير منها مِن فروض الكفايات"، لكن لا تكون عناية المسلم بها صارفة له عن تحصيل ما أوجبه الله عليه، وما أوجبه رسوله -صلى الله عليه وسلم- مِن العلم بدينه -سبحانه- وحدوده، قال الله -تعالى-: ( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:97) .

والعلم الذي لا ينفع: إما باعتبار ذات هذا العلم، وإما باعتبار الإنسان نفسه، فقد يكون بعض العلم نفسه محرمًا مذمومًا: كعلم السحر، وقد يكون علمًا واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، لكن لا ينتفع به صاحبه؛ لأن العلم النافع هو الذي يقرِّب صاحبه مِن ربه -سبحانه-، والعلم الخشية كما قال بعض السلف، وقال بعضهم: "إنما العلم العمل". وقال بعضهم: "كم مِن شيء إذا لم ينفع لم يضر، ولكن العلم إذا لم ينفع ضر!".

- وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَرِزْقًا طَيِّبًا): يدل على أن الرزق نوعان: طيِّبٌ وخبيث، والله -تعالى- طيبٌ لا يَقبل إلا طيبًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (المؤمنون:51) ، وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (البقرة:172) ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! ) (رواه مسلم) .

- وقد بعث الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بتحليل الطيب وتحريم الخبيث، كما قال الله -تعالى-: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) (الأعراف:157) ؛ فحري بالمسلم في يومه أن يتحرى المال الحلال، والرّزق الطيب النافع، ويحذر أشد الحذر مِن الأموال الخبيثة والمكاسب المحرمة.

- والرزق الطيب: هو الرزق الذي لا يَشغل العبدَ عما خُلق له، وعن الغاية الحقيقية مِن حياته، وهو عبودية الله -سبحانه وتعالى-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية