ماذا خسِر مَن سبَّ محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؟!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الكفر بالله -سبحانه وتعالى- وما أَمر به، ودعا إليه مِن الإيمان بوحيه ورسله ودينه هو أعظم خسارة يمكن أن يتعرض لها إنسان؛ لأنه يستوجب بهذا الكفر الخسارة الأبدية التي لا فوز ولا نجاة بعدها، ومهما خسر الإنسان في الدنيا مِن مال أو منصب أو غيره؛ فإن في الآخرة أعظم العوض عنه لمن آمن بالله -عز وجل-، وأما خسارة الآخرة فهي الخسارة التي لا عوض عنها؛ فلا خسارة تعدل خسارة مَن خسر نفسه وأوجب لها الخلود الأبدي في العذاب السرمدي، وأضاع على نفسه الحياة الحقيقية ( يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) (الفجر:24) - قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (العنكبوت:52) ، وقال: ( ومَن يَكفُرْ بالإيمَانِ فقدْ حبِطَ عمَلُهُ وهُوَ في الآخِرةِ منَ الخاسِرينَ ) (المائدة:5) ، وقال: ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (الزمر:15) .
وكما بيَّن الله -تعالى- أن الكفر دركات بعضها أسفل مِن بعض إذ ليس مَن كفر بالله وصد عن سبيله كمن كفر ولم يصد عن سبيل الله: ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ) (النحل:88) ، بيَّن كذلك -عز وجل- أن الخسران أيضًا دركات، فقال -تعالى-: ( وَلا يَزِيدُ الكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا ) (فاطر:39) ، فكلما أمعن الكافر وأوغل في كفره كلما ازداد عذابًا وخسرانًا.
والاجتراء على النبي -صلى الله عليه وسلم- والتسور على جنابه الشريف، والتعرض له ولسنته، ولما أمر به ونهى عنه بسبٍ أو استهزاءٍ أو انتقاصٍ لقدره الشريف ومكانته اللائقة به -صلى الله عليه وسلم-؛ لهو مِن أعظم أسباب الخسران المبين، واستحقاق عاجل سخط الله وعقوبته في الدنيا قبل الآخرة، فإن سب النبي -صلى الله عليه وسلم- إن كان مِن مسلم؛ فهو ردة مغلظة، وإن كان من ذمي أو معاهد أو مستأمن؛ فهو زيادة في الكفر.
والكفر بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- كفر بكل حقائق الإيمان وأصل الرسالات والكتب، والملائكة، واليوم الآخر، وكل المعتقدات الدينية الصحيحة؛ إذ لا سبيل إلى إثبات تكليف في شيء مِن ذلك إلا مِن خلال الإيمان بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وما جاء به من الوحي المسند إلى الله -تبارك وتعالى-، بل لا سبيل إلى إثبات نشأة الخلق ووجود الرسل: كآدم وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم -عليهم الصلاة والسلام- إلا مِن خلال محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ فالتوراة والإنجيل منقطعة السند لا يقطع بصحة شيءٍ منها إلا ما وافق القرآن والسنة.
وإذا كان الله -تعالى- قد توعَّد مَن عادي له وليًّا بالحرب كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله -عز وجل- في الحديث القدسي: ( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ ) (رواه البخاري) ؛ فكيف بمن عادى نبيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؟!
كيف تكون محاربة الله له؟!
وأي عقاب ينتظر هذا التعس؟!
وإذا كان الله -سبحانه- يدافع عن عباده المؤمنين كما قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) (الحج:38) ، فكيف بدفاعه عن خليله محمد -صلى الله عليه وسلم-؟!
ولا ندري ماذا ينقم هؤلاء المجرمون مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟!
هل ينقمون منه أنه يدعو إلى توحيد الرحمن -عز وجل- وعبادته وحده لا شريك، وهم يكفرون بالرحمن ويأبون رحمته؟!
هل ينقمون منه أنه يدعو إلى العدل والخير، ونبذ الظلم والشر والفجور؟!
هل ينقمون منه -صلى الله عليه وسلم- أنه يدعو إلى مكارم الأخلاق والعفة والفضيلة والصلة؟!
قال جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- للنجاشي: "أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، وَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ -تعالى- إِلَيْنَا رَسُولا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ -تعالى- لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفُحْشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنَّ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ...." (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
أم ينقمون منه -صلى الله عليه وسلم- أنه جاء بالنور والهدى والنجاة للبشرية، وقدَّم لها الدواء الناجع لكل أمراضها وأدوائها؟! في الوقت الذي لم يقدِّم فيه ساستهم وقادتهم ومصلحوهم -زعموا!- للبشر إلا الخراب والدماء، ونشر الربا والمخدرات، وتصدير الإباحية والشذوذ والعري، وكل ألوان الانحراف!
ولما ذكر لـ"فولتير" الملحد "عراب الثورة الفرنسية" مارتن لوثر وكلفن في عداد المصلحين في العالم الأوروبي قال: "أتزعمون أن هذين مِن المصلحين؟! إنهما لا يصلحان أن يكونا نعلين لمحمد!" -أو كما قال-.
إي والله! لا يصلح الكفار عن بكرة أبيهم أن يكونوا حذاءً أو نعلاً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.