ماذا خسِر مَن سبَّ محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؟!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • من نور الوحيين
ولكن ما الظن بقوم يتصورون ويؤمنون أن مجدهم وخلاصهم لا يقوم إلا على كرامة نبي الله المسيح عيسى -عليه السلام- الذي ينسبون أنفسهم إليه وهو منهم براء؟! حيث يعتقدون أنه قتل وصلب، وتعرض لألوان المهانة والمذلة لأجل خلاصهم ومجدهم! فالقوم اعتادوا في كتبهم وأقوالهم وأفلامهم أن يتعرضوا بالسب والشتم والاجتراء على مقام الأنبياء، بل على مقام الله -جلَّ جلاله!-، ويرون أن هذا حق مكفول في التعبير عن حرية الرأي -زعموا!-؛ ولذلك فهم يندهشون مِن غضبة المسلمين لمن تعرض لنبيهم -صلى الله عليه وسلم- بأي سوء على الرغم مِن ضعف هذه الغضبة وقلة حيلة المسلمين معهم.
ولمَ لا يغضب المسلمون لنبيهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو أولى بهم مِن أنفسهم وأحب إليهم مِن كل شيء؟!
قال الله -تعالى-: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (الأحزاب:6) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (رواه مسلم) .
ومِن كمال الإيمان المستحب أن يحب المسلم النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم مِن حبه لنفسه: فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لاَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ) فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( الآنَ يَا عُمَرُ ) (رواه البخاري) .
ولما جاء الكفار بزيدٍ بن الدَّثِنَّةِ -رضي الله عنه- وقدموه ليُقتَل قال له أبو سفيان -وقد كان حينئذٍ لا يزال مشركًا-: "أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الآنَ فِي مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَة تؤذيه، وأنّى جَالِسٌ فِي أَهْلِي! فَقَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا!" (السيرة النبوية لابن هشام) .
فإذا كان الكفار يتعجبون في الماضي -كأبي سفيان- وفي الحاضر -ككفار زماننا- مِن حب المسلمين وتعظيمهم لنبيهم -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف لو كان المسلمون على قلب رجل واحد في تعظيمهم وتأسيهم بنبيهم -صلى الله عليه وسلم- أو كان جمهورهم على ذلك؟! لا نقول حينئذٍ بأن دهشتهم ستزداد فحسب، بل لن يجرؤوا على التعرض للنبي -صلى الله عليه وسلم- أو على الأقل لن يتمادوا في ذلك.
وقد توعد الله -تعالى- بأشد الوعيد أولئك الذين يؤذون النبي -صلى الله عليه وسلم- ويحادونه ويشاقونه: فقال -عز من قائل-: ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) (الأحزاب:57) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (التوبة:61) ، وقال -عز وجل-: ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَن لَهُ نَارَ جَهَنمَ ) (التوبة:63)، وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) (المجادلة:5) ، وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ ) (المجادلة:20) ، وقال: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:115) ، وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ) (محمد:32) ، وقال: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) (الكوثر:3) .
فيا لها مِن خسارة... ؟!
يا لخسارة مَن يجهل لماذا خلق؟! ولأي أمر أوجده الله؟!
وإذا كانت بقرة تعلم ما خُلقت له؛ فما بال العبد المكلف لا يدري ما خلق له؟!
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( بَينا رجل يَسُوق بقرة إِذْ أعيي فَرَكِبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِحِرَاثَةِ الأَرْضِ ). فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَإِنِّي أومن بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ) (متفق عليه) .
وإذا كان كل شيء بين السماء والأرض إلا عاصي الجن والإنس يعرف ويعلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، و يشهد له بالصدق والرسالة، كما قال -عليه الصلاة والسلام: ( إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ) (رواه أحمد والدارمي، وحسنه الألباني) ، فما عذر الكافر به والمستهزئ به عند الله؟!
يا لخسارة مَن لم يعرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي عَرَفه الذئب وبشـَّر به، وعرفه حتى الحجر، وحنَّ إليه الجذع والشجر، وأحبَّه الجبل، وشكى إليه الجمل!