عقوق الوالدين: "مخاطره وعواقبه" (موعظة الأسبوع) (2)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
وبقلب من حجر وجماد من لحم، ذهب بها إلى دار رعاية المسنين، وهناك أجلسها على كرسي بجوار العيادة بحجة الكشف عن صحتها، وقال لها العاق: اجلسي هنا على هذا المقعد لتدخلي إلى الطبيب، ثم تركها هاربًا إلى زوجته الفاضلة! ومضت الساعات والأم جالسة في انتظاره، ولكنها عبثًا تجلس، ومفقودًا تنتظر، فلقد ذهب الولد العاق دون رجعة، وبلا عودة حتى أنكر الموظف جلوسها ليقول لها: لماذا تجلسين هنا يا عمة؟ فأجابت: ابني سوف يأتي الآن ليأخذني بقلب مشبع بالأمل! قال لها الموظف: ادخلي يا أماه فقد أسدل الليل ستاره، ولأمر ما عاشت الأم في تلك الدار سنتين! وغدت كل يوم تنزل من مخدعها، وتجلس على نفس المقعد الذي تركها ولدها فيه، وتقول: سوف يأتي ولدي الآن أنا في انتظاره! أنا في انتظاره!".
وقفة مهمة: الموازنة بين حقوق الزوجة وحقوق الوالدين:
المشاكل التي تنشأ بين الزوجة والوالدين لها عوامل كثيرة يصعب حصرها، ولكنها تتلخص في نوعين من الأسباب: أحدها: شرعية "ظلم - جهل - ونحوهما". ثانيها: نفسية واجتماعية "غيرة متبادلة وحب استثار"؛ ومما يعين على تلافي المشاكل أن يسعى كل طرف في أداء ما عليه كما يطلب ما له.
أولاً: دور "الابن - الزوج":
- الحذر من تغير أحواله بعد الزواج إلى الأدنى.
- ترسيخ معنى بر والديه وعدم عقوقهما في نفس الزوجة وإن كانا ظالمين.
- إنصاف الزوجة وذلك بمعرفه حقها، والتثبت قبل قبول الأخبار من والديه بشأنها.
- اصطناع التوادد بين جميع الأطراف.
ثانيًا: دور زوجة الابن:
- مراعاة الوالدين وفهم طبيعتهما، وإيثار رضا الزوج في الإحسان إلى والديه.
- استيعاب أن أم الزوج لها عليه حقوق وبه لها تعلق "زرعها الذي رعته سنين طوال".
- أن تعلم أن الزوج الذي يحب والديه هو رجل صالح، وهذا خير لها.
- الجزاء من جنس العمل، فأنت اليوم زوجة لابن، وغدًا أم لزوج وهو ابنك.
ثالثًا: دور أم الزوج:
- تجنبي الغيرة المفسدة؛ فإن مِن الحب ما قتل!
- تجنبي القسوة وسوء الظن؛ لئلا تكوني عونًا للشيطان على ولدك.
- الجزاء من جنس العمل فأنت اليوم أم لزوج، وغدًا أم لزوجة وهي ابنتك.
3- عاقبة العقوق:
1- يستجلب غضب الرب -سبحانه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
2- يستجيب الله دعاءهما ولو كان الولد طائعًا: "يذكر الخطيب الشاهد من قصة جريج العابد وأمه".
- فكيف لو كان الولد عاصيًا؟! روي ابن أبي الدنيا: "عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ: مَرَرْنَا فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ، فَسَمِعْنَا نَهِيقَ حِمَارٍ، فَقُلْنَا لَهُمْ: مَا هَذَا النَّهِيقُ؟ قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ كَانَ عِنْدَنَا، كَانَتْ أُمُّهُ تُكَلِّمُهُ بِشَيْءٍ، فَيَقُولُ لَهَا: انْهَقِي نَهِيقَكِ، فَكَانَتْ أُمُّهُ تَقُولُ: جَعَلَكَ اللَّهُ حِمَارًا، فَلَمَّا مَاتَ سُمِعَ هَذَا النَّهِيقُ عِنْدَ قَبْرِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ!".
3- سبب في حبوط الأعمال أو ردها على صاحبها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلاثَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلا عَدْلا: عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .
4- يمحق بركة الرزق والعمر: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) (رواه البخاري ومسلم) .
5- عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بابانِ مَعَجَّلانِ عُقُوبَتُهُما فِي الدُّنْيا: البَغْيُ والعُقُوقُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
- الجزاء من جنس العمل: "هذه أم تجلس مع أطفالها كل يوم وهم يدرسون، وكان والد زوجها شيخ مسن كبير يعيش معهم في البيت، ولكن في غرفة منعزلة في حديقة البيت، كل يوم تذهب إليه تضع له الطعام ثم تعود إلى أولادها تلعب معهم وتقوم على تربيتهم، وفي يوم من الأيام رأت أحد أولادها الصغار يلعب في ورقة وقلم يرسم مربعات في وسط الورقة، فسألت الأم: يا بني ماذا ترسم؟ فأجاب: أرسم بيت المستقبل! فرحت الأم لجوابه، ثم قالت: ولماذا هذا المربع بعيد عن البيت؟ فقال: هذه غرفتك في المستقبل، فقالت له متعجبة: ستجعلني في غرفة وحدي؟ فقال: نعم، كما أنت تجعلين جدي في غرفة منعزلة وحده!
فكانت هذه الكلمات البريئة كالصاعقة لهذه الأم، فتأثرت لموعظة الطفل الصغير، وذهبت وغيرت أثاث البيت، وجاءت بالجد إلى داخل السكن في أفضل غرفة في البيت، وعندما عاد زوجها تعجب أن الجد داخل البيت، فقال لها: ماذا حدث؟ فقالت له ما قاله الطفل فتأثر تأثرًا شديدًا وشكرها على ذلك" (بر الوالدين آداب وأحكام لخالد الخراز) .
6- سبب في الحرمان من الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلا مُدْمِنُ خَمْرٍ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
4- العلاج:
- يختم الخطيب الخطبة بالتشويق للجمعة التالية، والتي تحمل العلاج، وعنوانها: "بر الوالدين: فضائله وطرائق تحصيله".