شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بر الوالدين: "فضائله وطرائق تحصيله" (موعظة الأسبوع) (3)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الخطبة:

بيان فضل بر الوالدين في الدنيا والآخرة، والوسائل المعينة على تحصيله.

المقدمة: حول وجوب بر الوالدين:

- الإشارة إلى ما سبق مِن بيان عظيم مكانة الوالدين، والترهيب من عقوقهما، وما يترتب عليه مِن عواقب، وبقي الكلام عن بر الوالدين.

- تعريف بر الوالدين: قال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-: "بر الوالدين: التوسع في الإحسان إليهما، وضده العقوق" (المفردات) .

- اشتمال لفظ الوالدين على الأجداد والجدات: قال ابن المنذر -رحمه الله-: "والأجداد آباء والجدات أمهات، فلا يغزو المرء إلا بإذنهم" (تفسير القرطبي 10/ 241) .

- جاء الإسلام بأوامر صريحة تلزم المؤمن ببر الوالدين: قال الله -تعالى-: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ) (الإسراء:23) .

- أوجب الإسلام شكر الوالدين كما أوجب شكر الله: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ثَلاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلاثِ آيَاتٍ لا يُقْبَلُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا، أَوَّلُهَا: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (البقرة:43) ، فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ لا تُقْبَلُ مِنْهُ الصَّلاة. وَالثَّانِية: قَوْله -تَعَالَى-: ( اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك ) (لقمان:14) ، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَالثَّالِثُة: قَوْله -تَعَالَى-: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (النساء:59) ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعْ الرَّسُولَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ".

- وأوجب الإسلام برهما العمر كله -تعريضًا بما يسمى عيد الأم ويوم المرأة-: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ, قَالَ: "فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟" قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلاهُمَا , قَالَ: ( فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( ارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا ) (صحيح مسلم) .

- وأمر الإسلام بالإحسان إليهما ولو كانا مشركَيْن، فكيف بالمسلمين؟ قال الله -تعالى-: ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) (لقمان:15) .

وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: قَدِمَتْ على أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ على وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: ( نَعَمْ صِلِيهَا ) (متفق عليه) .

1- فضل بر الوالدين وآثاره الحميدة:

- مكفر للذنوب: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: ( هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ ) قَالَ: لا، قَالَ: ( وَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَبِرَّهَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- مفرج للكروب: ففي الصحيحين في حديث الثلاثة الذين أواهم المبيت إلى الغار، فدخلوه فانطبقت عليهم صخرة فسدته عليهم فتوسلوا إلى الله -تعالى- بصالح أعمالهم أن يفرج الله عنهم... وفيه: ( فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ... ) (متفق عليه) . وتوسل صاحباه بصالح أعمالهما فانفجرت الصخرة كلها وخرجوا يمشون.

- سعة الرزق وبركة العمر وحسن الخاتمة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمِدَّ اللَّهُ لَهُ فِي عُمُرِهِ، وَيُوَسِّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيَدْفَعَ عَنْهُ مَيْتَةَ السُّوءِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر) . وفي رواية آخري: ( فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) (رواه أحمد، وقال الألباني: حسن لغيره) .

- رفعة وشرف في الدنيا والآخرة وسبب في استجابة الدعاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ ) (رواه مسلم) .

الصفحة التالية