شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس مِن قصة نبي الله أيوب -عليه السلام- (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- وليست العافية مِن البلاء علامة على الكرامة، بل قد يكون الأمر على العكس: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ؟ )، قَالَ: "وَمَا أُمُّ مِلْدَمٍ؟" قَالَ: ( حَرٌّ يَكُونُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ )، قَالَ: "مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ"، قَالَ: ( فَهَلْ أَخَذَكَ هَذَا الصُّدَاعُ قَطُّ؟ )، قَالَ: "وَمَا هَذَا الصُّدَاعُ؟"، قَالَ: ( عِرْقٌ يَضْرِبُ عَلَى الإِنْسَانِ فِي رَأْسِهِ )، قَالَ: "مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ"، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

- البلايا والمحن تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وهكذا الطريق إلى الجنة: قال الله -تعالى-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ) (البقرة:214) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (رواه مسلم) .

2- فضل الصبر والرضا بقضاء الله:

- صبر أيوب على البلاء كان طلبًا للدرجات العلى: وهذا الصبر الاختياري أفضل مِن الصبر الاضطراري؛ فهو اختيار الأشد والعزيمة لمن علم مِن نفسه القدرة على ذلك، وعن عطاء قال: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: ( إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ ). قَالَتْ: أَصْبِرُ. قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا. (متفق عليه) .

- الصبر أعظم عطية، وأجره يدل عليه: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ ) (متفق عليه) .

- الصابرون أهل ذكر الله في الملأ الأعلى وأهل رحمته وهدايته: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة:155-157) .

- الصابرون أهل محبة الله: ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:146) .

- الصابرون لهم أجر غير ممنون: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (الزمر:10) .

- الصابرون هم الفائزون: ( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (المؤمنون:111) .

3- فضل الدعاء:

- كان أيوب -عليه السلام- يدعو ربه صابرًا، ثم دعا ربه كالمقسِم على ربه لما كان أمر قومه مِن سوء الظن به؛ فلا يُتوهم أنه ترك الدعاء لمقامه، أو أن الله عليم بحاله وغني عن سؤاله -كما يظن بعض الصوفية!-، وقد كان النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يدعو: ( اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي... ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ ) (رواه البخاري) .

- تأمل دعاء أيوب -عليه السلام- العظيم وما يحمله مِن الافتقار والتذلل؛ فاقتده: ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (الأنبياء:83) ، ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) (ص:41) .

- جاء عند بعض المفسرين: "فجزع أيوب مِن قولهما... وخرَّ ساجدًا، فقال: اللهم إن كنتَ تعلم أني لم أبت ليلة قط وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني. اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق مِن السماء وهما يسمعان. ثم قال: "اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتى تكشف عني".

- السميع المجيب يجيب الصادقين: ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ) (الأنبياء:84) ، ( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ) (الصافات:75) .

4- جزاء الصبر والتوكل على الله:

- جعل الله -تعالى- أيوب -عليه السلام- رمزًا للصبر: قال الله -تعالى-: ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (ص:44) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ فِي بَلائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية