السياسة الشرعية النبوية بيْن التوكل والأخذ بالأسباب (2) وثيقة المدينة مع اليهود "ملامِح ومعالِم" (1)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وثيقة المدينة مع اليهود "ملامِح ومعالِم" (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في مقالِنا السابق معالِم المرحلة المكية في مواجهة الشِّرْك والمشركين، وأنها كانت مواجَهة منهجية ودعوية لم يؤذن فيها للمسلمين بالقتال ولا حَمْلِ السِّلاح، وكانت الأوامر القرآنية للرسول -صلى الله عليه وسلم- بالثبات وعدم المُداهَنة، وعدم الركون إلى الكافرين، قال الله -تعالى-: ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) (القلم:9) ، وقال: ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ) (الإسراء:74) .
وقال -سبحانه- للمؤمنين: ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ) (هود:113) .
وكلها في تمام الوضوح في الحفاظ على ثوابت الدين والمنهج، وعدم قبول الباطل أو الرِّضا به أو التعاون مع أهلِه عليه، ولم يكن تركُ قتالِهم بمقتضٍ لموالاتهم أو الركون إليهم؛ فليس كل مَن تركتم قتالَه تكونون قد رَكَنتم إليه أو داهَنتموه كما يحسب البعض ذلك!
ثم كانت المرحلة الثانية بعد هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وتأسيس الدولة المسلمة، وكان واقعُ المدينة في بداية الدولة وجود ثلاث طوائف دينية:
أولاً: المسلمون مِن المهاجرين، ومِن الأوس والخزرج.
الثانية: المشركون عُبّاد الأوثان الذين لم يؤمنوا مِن الأوس والخزرج، ومَن حالَفهم.
الطائفة الثالثة: اليهود وقبائلهم الثلاث المشهورة: "بنو قينقاع - وبنو النضير - وبنو قُريظة".
ولنعرِض لما ذُكِر في السُّنَن والسِّيَر لما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- من حِلْفٍ بيْن المسلمين مِن قريش والأنصار، يظهر فيه بعض الشروط على المشركين الذين لم يُسلِموا، ثم ما كان بيْن النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين اليهود، مع الانتباه أن السِّيَر لا يشترط فيها مِن الإسناد ما يُشترط في الأحاديث، لكن ما يترتب عليه أحكامٌ شرعيةٌ لا بد فيها مِن صحة الإسناد، أو دليل آخر مِن الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، وغير ذلك مِن الأدلة.
قال ابن كثير -رَحِمه الله- في البداية والنهاية: "فصلٌ في عَقْدِه -عليه الصلاة والسلام- الأُلفة بيْن المهاجرين والأنصار، مِن الكتاب الذي أمَر به فكُتِب بينهم، والمؤاخاة التي أمَرَهم بها وقرّرهم عليها، وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة.
قال: وكان بها مِن أحياء اليهود (بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة) وكان نزولهم بالحجاز قبْل الأنصار أيام بُخْتُ نَصَّرَ، حين دوّخ بلاد المقدس -فيما ذكره الطبري-، ثم لما كان سيلُ العَرِم وتفرقت سبأ شَذَر مَذَر؛ نزل "الأَوسُ والخَزْرَجُ" المدينةَ عند اليهود، فحالفوهم وصاروا يتشبهون بهم؛ لما يرون لهم عليهم مِن الفضل في العلم المأثور عن الأنبياء، لكن مَنَّ الله على هؤلاء الذين كانوا مشركين بالهُدى والإسلام، وخذل أولئك؛ لحَسَدِهم وبَغْيِهم واستكبارهم عن الحق.
روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك، قال: "حالَف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك"، ورواه البخاري ومسلم وأبو داوود مِن طرق متعددة. وروى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جَدِّه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كتَبَ كتابًا بيْن المهاجرين والأنصار أن يعقِلوا معاقِلَهم، وأن يفدوا عانِيَهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين". وروى الإمام أحمد عن ابن عباس مِثلَه.
وفي صحيح مسلم عن جابر: "كَتَب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على كل بَطنٍ عُقولَه".
وقال محمد بن إسحاق: "كَتَب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتابًا بيْن المهاجرين والأنصار، وادَعَ فيه اليهود وعاهَدَهم، وأقَرَّهم على دينهم وأموالِهم، واشترط عليهم وشرط لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ مِن محمد النبي الأُمِّيِّ -صلى الله عليه وسلم- بيْن المؤمنين والمسلمين مِن قريش ويَثْرِب، ومَن تَبِعَهم فلَحِق بهم وجاهَدَ معهم، أنهم أمةٌ واحدةٌ مِن دون الناس، المهاجرون مِن قريش على رِبعَتهم -أي على ما كانوا عليه في الجاهلية مِن التعاقُل مِن دفع الدِّيات- يتعاقَلون بينهم، وهم يَفْدُون عانِيَهم -أي أسيرَهم- بالمعروف والقِسط، وبنو عوف على رِبعتهم يتعاقلون معاقِلَهم الأولى، وكلُّ طائفةٍ تفدي عانِيَها بالمعروف والقِسط بين المؤمنين. ثم ذكر كلَّ بطنٍ مِن بطون الأنصار وأهل كلِّ دار، وبنو الحارث على رِبعَتِهم يتعاقَلون معاقِلَهم الأولى، وكلُّ طائفةٍ تفدي عانِيَها بالمعروف والقِسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على رِبعَتِهم، وبنو جُشم على رِبعَتِهم، وبنو النجار على رِبعَتِهم، وبنو عمرو بن عوف على رِبعَتِهم، وبنو النبيت على رِبعَتِهم، وبنو أوس على رِبعَتِهم" إلى أن قال: وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم -أي: مثقلاً مِن الدَّينِ والعِيال- أن يعطوه بالمعروف في فِداءٍ أو عَقْلٍ.
ولا يحالِف مؤمنٌ مَولى مؤمنٍ دونَه -وذلك في الإرث والقرابات-، وإن المؤمنين المتقين على مَن بغى منهم أو ابتغى دَسِيعة ظُلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولَدَ أحدِهم.
ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإن مَن تَبِعنا مِن يهود فإن له النصر والأُسوة غير مظلومين، ولا مُتَنَاصَرٍ عليهم -يعني لا يُنصر أعداء اليهود إن قصدهم أحدٌ عليهم-.
وإنّ سِلْمَ المؤمنين واحدة، لا يُسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواءٍ وعدلٍ بينهم، وإن كل غازيةٍ غزَت معنا يُعقِب بعضها بعضًا، وإن المؤمنين يُبِيءُ بعضهم على بعض -أي يمنع ويكُفّ- بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هديٍ وأقومِه، وإنه لا يُجيرُ مشركٌ مالاً لقُريشٍ ولا نفسًا، ولا يحول دونَه على مؤمنٍ، وإنه مَن اعتبط مؤمنًا قَتْلاً عن بَيِّنة؛ فإنه قَوَدٌ به إلا أن يرضى وَلِيُّ المقتول، وإن المؤمنين عليه كافّة، ولا يحل لهم إلا قيامٌ عليه.