دروس مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (6) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
بنو إسرائيل وفتنة العافية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- مكَّن الله لبني إسرائيل بإهلاك الفراعنة الذين ساموهم سوء العذاب، وأورثهم الأرض مِن بعدهم: قال الله -تعالى-: ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) (الأعراف:137) .
- شكر نعمة التمكين هو إقامة الدين: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) (الحج:41) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم:7) .
- ولذا كان موسى -عليه السلام- يحذرهم مِن الفتنة بعد التمكين: ( قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف:129) .
- ولكن... صبر بنو إسرائيل على المحنة والقهر أيام الفرعون، ولم يصبروا على امتحان العافية والحرية بعد زواله: قال الله -تعالى-: ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) ، وقال -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) (الفرقان:20) .
مِن مظاهر فتنة العافية في بني إسرائيل:
تنبيه: يمكن تقسيم الموعظة على أسبوعين، أو يكون القسم الآخر بعد الصلاة، وهو أنسب لاتصال الفكرة.
1- البطر على نعمة الله:
قال -تعالى-: ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) (البقرة:49-50) ، وقال -تعالى-: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (البقرة:57) ، وقال: ( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (البقرة:60) .
- ملخص الآيات: يذكر -تعالى- منته وإحسانه على بني إسرائيل، بما نجاهم مِن أعدائهم، وخلصهم مِن الضيق والحرج، وأنه -تعالى- أنزل عليهم في حال شدتهم وضرورتهم في سفرهم في الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع، أنزل منًّا مِن السماء: وهو طعام طيب، والسلوى: وهو طير شهي، فيأخذون كفايتهم فيها بغير كلفة ولا تعب، وإذا كان الحر والشمس ظلل الله عليهم الغمام، وهو السحاب الذي سترهم، وأنبع بهم الماء، حيث ضرب موسى -عليه السلام- الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عين تتفجر ماءً زلالاً، فيستقون ويسقون دوابهم، ويدخرون كفايتهم، وهذه نعم مِن الله وعطايا جسيمة؛ فما رعوها حق رعايتها، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها، ثم ضجر كثير منهم منها وتبرموا بها، وسألوا الذي هو أدنى! كما قال الله -تعالى- عنهم: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ) (البقرة:61) .
دروس وعبر:
- البطر حال أهل الغفلة، والشكر حال أهل اليقظة: قال الله -تعالى- عن قوم سبأ: ( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) (سبأ:19) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم) .
- صور مشرفة مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يقضون ليلة فتح مكة في عبادة وصلاة - زهد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وقد فُتحت له الأمصار، وكان يقول: أخشى أن أكون مِن الذين قال الله عنهم فيهم: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) (الأحقاف:20) .
2- حنينهم إلى الوثنية:
قال الله -تعالى-: ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:138-140) .