شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس مِن آلام الشام (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا لما يحدث للمسلمين على أرض العراق والشام لمحزونون: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا )، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ( بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ )، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: ( حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

- تكالبت الأحزاب المتخاصمة "الروس الملاحدة - الشيعة الزنادقة - الغرب الحاقد" على آلام المسلمين في صراع المصالح القذرة: قال الله -تعالى-: ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) (الأحزاب:10) .

- ليس المسلم الذي يقضي وقته في العويل والنحيب والحزن، وإنما عليه العمل والسعي وأخذ الدروس والعبر مِن الآلام: قال الله -تعالى-: ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) (الحشر:2) .

- تنبيه: الدروس كثيرة، ولكن نقف مع هذين الدرسين لتعلقهما بالواقع المرير في "الشام" أكثر.

الدرس الأول: مراعاة السُنن الشرعية والكونية:

- توضيح: السُنن الشرعية هي الأوامر والنواهي الشرعية، والسنن الكونية هي ما جرت به عادة الكون ونواميس الحياة، فالإيمان سبب لدخول الجنة سنة شرعية، والابتلاء والمصائب للمؤمنين سنة كونية، والاستقامة سبب للنصر، والتمكين سنة شرعية وكونية، وهكذا.

- المقصود مِن هذا الدرس: التحذير مِن أمرين خطيرين، أحدهما: الوقوع في التهور والصدام المهلك. والثاني: اليأس المؤدي إلى عدم الإصلاح والسعي في التغيير.

- أولاً: الوقوع في التهور والصدام المهلك:

فعادة ما يبدأ باللوم ثم الاتهام ثم الصدام "أين الحكام والحكومات؟ - أين العلماء والدعاة؟ - أين الشعوب المسلمة؟!" دون مراعاة السُنن الشرعية والكونية.

- مراعاة موازين القوى مِن السنن الشرعية التي يدور حكمها بيْن الوجوب والاستحباب: قال الله -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ) (الأنفال:60) ، وقال -تعالى-: ( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:66) . "عدم مواجهة المشركين في المرحلة المكية، بل في المرحلة المدنية حفر المسلمون الخندق لعدم المواجهة، ورجع المسلمون مِن مؤتة لعدم المواجهة"؛ فكيف والمسلمون الآن مِن الضعف والعجز ما لا يقدرون معه على تصنيع سلاحهم، بل ولا الاكتفاء في طعامهم؟!

- شبهة في سؤال: ألم ينتصر المسلمون الأوائل في مواطن كثيرة، وهم ضعفة وقلة؟

- الجواب: مراعاة تحقق أسباب النصر -والتي مِن أعظمها: الاستقامة التي كان عليها الأوائل، والتي هي سبب لحصول الكرامة- مِن السنن الشرعية والكونية، قال الله -تعالى-: ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الأنفال:26) ، وقال -تعالى-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) (الجن:16) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) ، فمِن أين تأتي الكرامة والأمة على انحراف عظيم في العقيدة والسلوك والأخلاق؟

- وقفة: كم عدد الذين يشاهدون المباريات؟ وكم عدد الذين يشهدون الجمعات؟ كم عدد الذين يجلسون في الملاهي والمقاهي والمتنزهات؟ وكم عدد الذين يجلسون في المساجد ودروس العلم والحلقات؟ كم عدد الذين يسمعون الأغاني والأفلام؟ وكم عدد الذين يسمعون الحديث والقرآن؟ وكم؟ وكم؟ وكم؟ ناهيك عن صور الانحرافات العقدية "التكفير والبدع والشركيات" وصور المعاصي والفجور التي تطفح بها وسائل الإعلام، وحياة المسلمين... فمن أين تأتي الكرامة؟

- ثانيًا: اليأس المؤدي إلى عدم الإصلاح والسعي في التغيير:

فعادة ما يبدأ بنظرة مادية بحتة، وهي رؤية قوة العدو المادية، وعجز المسلمين المادي والمعنوي، فتكون النتيجة "لا فائدة" دون مراعاة السنن الشرعية والكونية في مثل هذه الظروف.

- السعي في الإصلاح والتغيير والبناء، سنة شرعية، وقد نهينا عن اليأس: قال الله -تعالى-: ( أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (لقمان:17) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) (رواه مسلم) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (يوسف:87) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (آل عمران:139) .

الصفحة التالية