شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الذبح لغير الله ...شرح المنة (19)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

ذكرنا قبل ذلك أن الشرك الأكبر في الأسماء والصفات أن يعتقد شخصٌ وجود نِدٍّ لله -سبحانه وتعالى- في أسمائه وصفاته، والشرك الأكبر في الربوبية أن يعتقد نِداً لله -عز وجل- في ربوبيته خالقاً أو مالكاً أو مُشَرِّعًا، فكذلك إذا اعتقد إلهًا مع الله أو صرف العبادة لغير الله فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله - عز وجل- إلا بالتوبة منه.

فالشرك الأكبر في توحيد الألوهية: هو صرف العبادة لغير الله - عز وجل-، سواء أكان هذا الغير مَلَكًا مُقَرَّبًا أم نبياً مرسَلاً أم ولياً صالحاً ، فضلاً عما دون ذلك من الأحجار والأشجار والقبور، ولو على سبيل التوسل إلى الله ، فالكفار كانوا يقولون عن آلهتهم : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر:الآية3).

ومعلوم أن أول شرك وقع على ظهر الأرض كان بسبب الغُلو في الصالحين، وهو الذي وقع فيه قوم نوح -عليه السلام- ، كما قال الله -سبحانه وتعالى- : (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) (نوح:23)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «هَذِه أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ » ، وهذا يدلنا على أن الغلو في الصالحين من أعظم أسباب الشرك الأكبر، والمعلوم أن اليهود يعبدون عُزيراً ويسمونه ابن الله، والنصارى يعبدون المسيح ويسمونه ابن الله، وأن المشركين كانوا يسمون أوثانهم بالأسماء المؤنثة المشتقة من أسماء الله - عز وجل- على أنها ترمز للملائكة، التي اعتقدوا أنها بنات الله - تعالى عما يقولون علواً كبيراً ـ فعبدوها لتقربهم إلى الله زلفى ، كما قال -تعالى- : (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى) (لنجم:19-20) فاشتقوا اللاتَ من الله ، والعُزَّي من العزيز ، ومَنَاةَ من المنَّان ، (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) (لنجم:21-23) إلى قوله -تعالى- : (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (لنجم:27-28)، هذا يدلنا على أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، وكذلك النصارى يعبدون الروح القدس، ويقولون عنه هو الله وأنه أحد الأقانيم الثلاثة المعبودة، أما في هذه الأمة فقد ظهر صرف العبادة للأولياء، ونبهنا على ذلك لكثرة من يصرف لهم العبادة من دون الله، فضلاً عما دون ذلك من الأحجار والأشجار والقبور، حتى على سبيل التوسل لأن كثيراً من الناس لا يعبد هذه الأشياء ابتداءً، ولكن لتقربهم إلى الله - عز وجل- على سيبل الوَسَاطة ، كما قال - عز وجل- عنهم : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: الآية3)، وقال : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (يونس:18).

إذن فلا فرق بين كونه قاصداً لعبادة هؤلاء ابتداءً، أو عَبَدَهم على سبيل التوسل إلى عبادة الله - عز وجل-، أو التقرب إلى الله -تعالى-، طالما صرف العبادة لغير الله، وعَبَدَ غير الله - عز وجل-.

ولكن لا شك أن هناك فرقاً بين المشركين الأوائل وبين من وقع في الشرك من هذه الأمة، وهو أن الأوائل الذين بُعِثَ فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحاربهم كانوا يُصَرِّحون أنهم يعبدون غير الله، كما قال الله -عز وجل- : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا) ، وكانوا يُسمُّونها آلهةً معبودة ، وأما مَن وقع في الشرك من هذه الأمة فكثيرٌ منهم لا يعتقد أنهم آلهة ولا يرى أنه يعبدهم ، وإن كان في الحقيقة يعبدهم ، كما قال عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ : (يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ ) ، فَطَرَحْتُه وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) (التوبة:31) ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهم ، فَقَالَ: (أَليسُوا يُحَرِمُون مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونه ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَه) ، قُلْتُ : بَلَىَ ، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: « فَتِلْكَ عِبَادَتُهم » ، وذلك لأن من صرف العبادة لغير الله ، حتى ولو لم يُسَمِّها عبادة فقد عَبَدَ غير الله ، لكن هناك فَرقٌ بين مَن لم يقصد العبادة ولم يكن يعلم أنها عبادة ، فهذا لا بد من إقامة الحجة عليه ، وأما من صَرَّحَ بأنه يعبد غير الله فالحجة قائمةٌ عليه بكلمة « لا إله إلا الله » إذا بلغته عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.

لذلك لو قال إنسان إنه يعبد الأوثان التي على قبور الصالحين، فهذا نَقَضَ أصل التوحيد صراحةً ، وأما من قال أنا لا أعبدهم ، وإن كان قد دعاهم واستغاث بهم وطلب المَدد منهم ، فهذا نذكر له الآيات والأحاديث الدالة على أن دعاء غير الله عبادةٌ لهذا الغير، فإذا أصر على ذلك فهو كافرٌ خارج من الملة.

مظاهر الشرك في الألوهية :

1- دعاء غير الله :

الصفحة التالية