شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الذبح لغير الله ...شرح المنة (19)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات وهو مُصِرٌّ عليه بعد بلوغ الحجة : الدعاء والاستغاثة وطلب المدد من الأموات والغائبين ، قال الله -تعالى- : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الأحقاف:5-6) ، فهذا أضلُّ الخلقِ ، فالاستفهام (وَمَنْ أَضَلُّ) للنفي ، أي أنّه ليس هناك أضلُّ ممن يدعو مِن دون الله مَن لا يستجيب له إلى يوم القيامة ، والآية عامة في أنه ليس هناك أحدٌ من دون الله يستجيب لداعيه ، قال - عز وجل- : (وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) لأنهم أمواتٌ وغائبون وغير حاضرين ، (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) ، فهذا نصٌ في أن الدعاء هو العبادة لأنه قال : (مِمَّنْ يَدْعُو)، وقال : (هُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) ، ثم قال : (... كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) ، فإذن الدعاء عبادة، وهذا نصٌ واضح لا يحتمل تحريفاً ولا تأويلاً في أن الدعاء هو العبادة ، وأنهم إذا دعوا غير الله فقد عبدوا غير الله ، وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنه- قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ : (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ ) ، ثُمَّ قَرَأَ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60).

قال -تعالى- : (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، فقد بيَّن -سبحانه وتعالى- وجوب توحيد الألوهية في الدعاء وغيرِه من أنواع العبادات، وبيّن دليله من توحيد الربوبية لأن أكثر أو كل من يدعو أحداً من دون الله فإنّه لابد أن يعتقد فيه الضر والنفع ، فقال سبحانه و-تعالى-: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) ، فلو اعتقد إنسانٌ أن هذا الشيء لا ينفعه ولا يضره فكيف يدعوه من دون الله - عز وجل- ؟!، وكيف يطلب منه قضاء الحاجات وكشف الكُرُبَاتِ ودفع المضار وجلب المنافع ؟!، وإن اعتقد فيه النفع والضر ودعاه من دون الله فهذا من أعظم الشرك في الربوبية وفي الألوهية ، قال - عز وجل- : (فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) ، وهذا خطابٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم- والمراد به غيره ، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يفعل هذا ، ولكن خوطِب -صلى الله عليه وسلم- بذلك لكي يتبين بهذا أن أصلح الصالحين وأفضل الخلق لو فعل هذا لكان من الظالمين ولكان مشركاً ، كما قال - عز وجل- : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الزمر:65-66) ، فلا يصح أن يُقال : فلانٌ الرجل العالم أو الصالح يفعل ذلك ، أو هناك من المشايخ من يفعلون ذلك ، فإن الآية ذكرت أنه لو فعله نبي من الأنبياء لكان من الظالمين ، فالحُجَّةُ في ذلك هو كلام الله -سبحانه وتعالى- ، فلا يجوز لأحدٍ بعد أن تُبين له الحجة من كلام الله - عز وجل- أن يقول : « الشيخ الفلاني يقول كذا » ، فإن الله - عز وجل- قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) ، وهو أفضل الخلق ، ولو فعل ذلك لكان من الظالمين ، فلا يَحْتَجُّ على كلام الله -تعالى- إلا الظالمون الذين لا يصدقون كلام الله -سبحانه وتعالى- فلا يقع هذا من مسلم بعد بيان القرآن.

ولهذا فمن أراد أن يتعلق بدعاء الله وحده، فليستحضر هذا المعنى من توحيد الربوبية، وهو أن الله وحده هو الضار النافع ، فالله - عز وجل- هو الذي يَمَسُّ بالضر من أراد ، وهو الذي يكشف الضر عمن أراد ، والله - عز وجل- هو الذي يَمَسُّ ويريد بالخير من أراد ولا يمنع فَضْلَه سبحانه أحدٌ ، وهي معانٍ تكررت في القرآن العظيم مراتٍ عديدة ، فقال - عز وجل- في سورة الأنعام قال الله - عز وجل-: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) ، وفي سورة يونس: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107) ، وقال -سبحانه وتعالى- في سورة فاطر : (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) (فاطر: من الآية13)، و (قِطْمِيرٍ )القشرة التي على نواة التمرة ، وقال -تعالى-: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر:14)، وهذا أيضاً نصٌ قاطعٌ بأن دعاء غير الله شرك ، لأنه قال: (يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) فسمى ذلك شركاً.

وقد يقول قائل: إذن فما هو الدعاء؟ وهل يمنع أن يسأل الإنسان غيره؟ أليس الأموات حاضرين بدليل قوله -تعالى- : (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62)؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية