شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معالجة الشرع لمشكلتي الفقر والبطالة (موعظة الأسبوع)

أحمد جميل • خطبة الأسبوع

7- مساعدة المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر: فقد روي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: "أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟" قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: "ائْتِنِي بِهِمَا"، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِهِ، وَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟" قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا"، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: "اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ"، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا"، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ" (رواه أبو داود) .

8- حماية أصحاب العمل: فحرَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- الاحتكار، فقال: ( لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ ) (رواه مسلم) ، وحرَّم الغش والتدليس، فقال: ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) (رواه مسلم) ، وغُلظ الوعيد في تطفيف الكيل والميزان؛ فنزلت الآيات تُتلى مِن فوق سبع سماوات ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) (المطففين:1) ، وجعل الربا مِن أكبر الكبائر، قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) (البقرة:275-279) .

9- تشريع الزكاة والصدقة والتكافل والحث عليهم: فالزكاة: جعلها الشرع ركنًا مِن أركان الإسلام؛ عبادة لله، ونماءً للمال، وتطييبًا لنفوس الفقراء، وإذابة للفوارق بيْن طبقات المجتمع المسلم، فتُجمع مِن الأغنياء لترد إلى الفقراء، فتساعد مَن لا قدرة له على الكسب والعمل، أو مَن ألمَّت به إحدى نوائب الدهر.

- والصدقة: مدح القرآن أصحاب الصدقات؛ فجعل -سبحانه- المتصدقين ممن لهم مغفرة أجرًا عظيمًا، فقال: ( وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ) (الأحزاب:35) ، وقال: ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) (الحديد:18) ، وقال: ( وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) (البقرة:276) ، وكان -صلى الله عليه وسلم- لا يرد سائلاً، وعلَّم أصحابه النفقة وحثهم عليها في غير موضع.

- والتكافل: فتكافل المسلمين فيما بينهم مِن الأخوة الإيمانية، وأساس رباط المجتمع؛ فكان الحث التكافل والتراحم فيما بينهم، ونزل فيهم قوله -تعالى-: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (الحشر:9) .

وضرب الأنصار أروع الأمثلة في ذلك لما آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهم وبيْن المهاجرين، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: ( لاَ ) فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَئُونَةَ، وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. (رواه البخاري) .

وبهذه الخطوات وغيرها تُحفظ البلاد وحقوق العباد، ويزدهر سوق العمل ويتكافل الناس فيما بينهم، ويترابط المجتمع؛ فيتجاوز أزماته، ويعالج مشكلاته، والله المستعان.

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة