نظرات في مسألة الطلاق
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد زاد الجدل في مسألة الطلاق بيْن علماء المسلمين، وعلى رأسهم "الأزهر ومشيخته" في جانبٍ، والمخالفين لإجماع العلماء في جانب آخر، ودخلت السياسة في المسألة التي هي علمية محضة، لا دخل للساسة بها، إلا بِسَنِّ ما يعين ويوافق مقاصد الشرع وأحكامه، وذلك بأصل المعنى الذي وُجِدت مِن أجله السياسة والحكم شرعًا -مِن إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين- ثم بنصوص الدستور الذي ينص على مرجعية الشريعة وأحكامها، وعدم جواز سنّ تشريعات تخالف أحكامها.
ولنا هنا وقفات ونظرات:
1- مسألة التوثيق لعقود الزواج والطلاق مسألة حادثة في العصر الحديث، أقَرَّ العلماءُ بمشروعيتها؛ حفاظًا على الحقوق في زمنٍ كثر فيه الفساد وتضييع الحقوق، وإنكار الشهادات، وإن كان هذا لا يُلغي ما استقرت عليه الشريعة وأجمع عليه العلماء مِن أن هذه العقود لا بد فيها مِن الصيغة المُنشِئة للعقد، وكذا المُنهية له بالطلاق، وإن اختلفوا: هل تقوم الكتابة مقام اللفظ؟ أم هي مِن الكنايات؟ أم لا تقوم مقامه أصلًاً إلا لضرورة كخرس وصمم؟
لكن أن تُلغى الألفاظ الصريحة؛ لعدم وجود الكتابة الموثّقة لدى جهات الدولة؛ فهذا قول باطل لم يقله أحدٌ مِن علماء المسلمين!
2- يجب أن نفرِّق هنا بيْن أن المحاكم لا تسمع الدعوى إلا مع التوثيق، أو الكتابة العرفية مع الشهود، أو الشهود فقط، وبيْن حصول حقيقة الزواج وإنهائها كذلك بمجرد التلفظ "وإن لم يوُثق"، وإن لم يكتب عُرفيًّا.
نعم، التوثيق يحفظ الحقوق، لكنه لا يُغيّر شيئًا اعتبره الشرع عبْر القرون في الحلال والحرام، وأن الرجل إذا طلّق زوجته باللفظ الصريح فقد وقع الطلاق، مع اعتبار عوارض الأهلية، وإن كانت دعوى الزوجة لذلك لا تُقبَل أمام القضاء إلا بتوثيق أو شهود أو اعتراف، وليس معنى ذلك أن الرجل تَحِلُّ له مَن طلقها دون رجعة أو عقد جديد إذا انتهتِ العِدّة، أو تنكح زوجًا غيره إذا كان طلّقها ثلاثًا؛ فالحكم الشرعي لا يستلزم حكمًا قضائيًّا في كل الأحوال.
3- يحاول المخالِفون للإجماع بوقوع الطلاق الشفوي أن يتكئوا على مسألة وجوب الإشهاد في الطلاق، مع أن هذه المسألة ليستْ هي مسألة التوثيق، فمَن يشترط الإشهاد على صحة الطلاق ويجعله باطلاً إذا لم يُشهِد عَدْلَين مُسلمين لا يقول إنه لا يقع إلا بالكتابة؛ فضلاً عن أن يقول "لا يقع إلا بالتوثيق"، فهم يقولون: "لو طلّق بلفظ صريح أمام شاهِدَيْن عَدْلين فقد وقع الطلاق وإن لم يُوثّقه"، وهؤلاء يقولون عكس ذلك تمامًا.
4- دلّ ظاهر القرآن على وجوب الإشهاد على الطلاق والرجعة، قال الله -تعالى-: ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ) (الطلاق:2) .
وعن عمران بن حُصين -رضي الله عنه- أنه: سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ يَقَعُ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَلَا عَلَى رَجْعَتِهَا، فَقَالَ: "طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا، وَلَا تَعُدْ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وهو يدل على وجوب الإشهاد وعدم شرطيته؛ لأنه قال "طلّقتَ"، وقال "راجعتَ"؛ فقد وقع الطلاق وإن كان على خلاف السُّنة، ووقعت الرجعة وإن كانت على خلاف السُّنة، وهذا له حكم الرَّفع.
5- القول باشتراط الإشهاد على الطلاق هو قول أهل البدع مِن الرافضة، لا يقول به أحدٌ مِن أهل السُنّة مِن الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا ما يُعد شذوذًا لا يُعتد به، فما مال إليه الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- إلى اشتراطه زلة مِن زلات العلماء، وشذوذٌ شذّ به مَن قاله، فلا يُعتد به؛ لأن الدليل إنما دلّ على وجوب الإشهاد لا على شرطيته، والجمهور يَحمِلون الأوامر على الاستحباب في الإشهاد في الطلاق والرَّجعة، لكن لا يوجد مَن يشترطه، لعدم الدليل على الشرطية.
6- الادعاء بأن هذا قول عليّ -رضي الله عنه- وعمران بن حصين وأهل البيت ليس صحيحًا؛ لأنه لم ينقل عنهم بأسانيد صحيحة، بل ما احتجوا به مِن أنه قول عمران: "طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا، وَلَا تَعُدْ" يدل على خِلافِه، فإنه أثبت الطلاق والرَّجعة، ولم يُبطِلهما لعدم الإشهاد كما مرّ.
7- المشكلة في اتساع دائرة الطلاق مشكلةٌ اجتماعية، لا تحلها القوانين المخالِفة للشريعة بتحجير الطلاق إلا أمام القاضي، أو أن يطلِّق القاضي، أو أمام المُوثِّق الذي يُبلغ المحكمة بذلك رسميًّا، وقد جعل الشرع الطلاقَ للزوج قولًا واحدًا قاطِعًا، لا يُشرِكه أو يقوم غيره عنه إلا بتوكيلٍ، أو أن يحكم القاضي بالتطليق عليه للضرر الذي امتنع الزوج عن إزالته لزوجته، أو أن يحكم الحكمان -وبالتالي القاضي- بالخلع بناءً على طلب الزوجة.
والعجيب أن إحصائيات نسب الطلاق المرتفعة مأخوذة مِن المُوثَّق لا غير المُوثَّق؛ فهل كان التوثيق القائِم فعلًا سببًا لحل المشكلة وتقليل النسبة؟!
8- لا شك أن الطلاق الذي يترتب عليه ضياع الأولاد والمرأة أحيانًا لا بد مِن محاولات تقليله، وذلك بنشر العلم وفقه الصلح بيْن الزوجين، وإدخال العقلاء مِن أهلِهما كما دلت عليه نصوص القرآن الذي لم يجعل الطلاق إلا آخر الدواء، قال الله -تعالى-: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا . وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) (النساء:34-35) .