رسائل المواساة لأهل الفقر والمعاناة (1) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
فضل الفقير الصابر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض مِن الموعظة:
- رسائل تصبير ومواساة للفقراء في هذه الأيام التي اشتد فيها الغلاء، وازدادت فيها المعاناة، وذلك مِن خلال أحاديث مسلسلة على الترتيب التالي: "فضل الفقير الصابر - أدب المسلم الفقير - لماذا زاد الغلاء والبلاء؟ - مفاتيح أبواب الرزق - اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".
مقدمة:
- الإشارة إلى خطورة ازدياد الفقر والغلاء على المجتمع؛ دينًا ودنيا، وأنه لا بد مِن تعاون الجميع "الحكام والأمراء - الدعاة والعلماء - التجار والأغنياء؛ فضلاً عن الفقراء" في مواجهة الأزمة.
- الفقر والغنى محنتان مِن الله يختبر بهما عباده "بالصبر والشكر": قال تعالى: ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) .
- ترجيح فضل الفقير الصابر على الغني الشاكر، يدل على شدة فتنة الفقر؛ لما يلازمها مِن الذل والاستضعاف والقلة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال بعض السلف: "كاد الفقر أن يكون كفرًا"، ويؤثر عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته!".
- التنبيه على: أن هذه الفضائل حاصلة بسبب وصفيين متلازمين، وهما: "الفقر والصلاح"، وليس بسبب الفقر ذاته؛ فالفقر وحده غير مانع مِن العذاب، فضلاً عن حرمان الفضائل والثواب.
فضائل الفقراء الصالحين:
1- الفقراء أكثر أتباع الأنبياء:
- أحجم أكثر الأغنياء في كل زمان عن اتباع الأنبياء؛ ففاز بها أكثر الفقراء: ففي حديث أبي سفيان مع هرقل: "وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ" (رواه البخاري) ، وقال -تعالى- عن قوم نوح -عليه السلام-: ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ) (الشعراء:111) ، وقال: ( فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ) (هود:27) .
- بل الأنبياء أنفسهم كانوا فقراء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ )، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ) (رواه البخاري) .
2- الفقراء أحب المؤمنين إلى الله والأنبياء:
- أمر الله الأنبياء بملازمتهم: فقال لمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (الكهف:28) ، وقال عن نوح -عليه السلام-: ( وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ) (هود:29) ، وقال: ( وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) (هود:31) .
- النبي -صلى الله عليه وسلم- يتقرب إلى الله بحبهم، ويسأله أن يكون معهم في الدنيا و الآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ المَسَاكِينِ يَوْمَ القِيَامَةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ) (رواه البخاري) .
3- الفقراء أول مَن يرد الحوض:
- لما اشتد ظمأ الناس في الموقف، ثم صرف المؤمنون الصالحون إلى الحوض، قدِّم الفقراء على جميعهم: عن ثوبان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: ( إِنَّ حَوْضِي مَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى أَيْلَةَ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، أَكَاوِيبُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَوَّلُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الدُّنْسُ ثِيَابًا، وَالشُّعْثُ رُءُوسًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) . ولما سمع عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- هذا الحديث، قال: " لَكِنِّي نَكَحْتُ المُتَنَعِّمَاتِ، وَفُتِحَ لِيَ السُّدَدُ، وَنَكَحْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المَلِكِ، لَا جَرَمَ أَنِّي لَا أَغْسِلُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ، وَلَا أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حَتَّى يَتَّسِخَ!".
4- الفقراء أول مَن يجوز الصراط: