شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رسائل المواساة لأهل الفقر والمعاناة (2) (موعظة الأسبوع) أدب المسلم الفقير

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

بيان بعض الآداب والأسباب التي تعين الفقير على تحمُّل فتنة الفقر، ولنيل الفضائل التي تقدَّم الحديث عنها.

مقدمة: لماذا كان عامة المسلمين فقراء؟

- الفقر سُنة كونية في المؤمنين، لتكون لهم الآخرة: قال الله -تعالى-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (البقرة:214) ، وقال -تعالى-: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:155) .

وعن عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ لَهُ: ( انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ )، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: ( إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا؛ فَإِنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- الكفار يعطون الدنيا؛ لأنهم مشغولون بها، ويعطونها تعجيلاً لثوابها، حيث ينتظرهم العذاب الأليم: قال الله -تعالى-: ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ) (الأحقاف:20) .

آداب المسلم الفقير:

1- حسن التوكل على الله:

- المؤمن يعلم أن الأرزاق مِن عند الله، وهي مقدَّرة، فلا يتوكل إلا على الله؛ لأنه مِن صحة الإيمان: قال الله -تعالى-: ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (المائدة:23) ، وقال الله -تعالى-: ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (هود:6) ، وقال: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (الذاريات:58) ، وقال: ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) (الذاريات:22) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ) (متفق عليه) . وقال الحسن -رحمه الله-: "علمتُ أن رزقي لا يأخذه غيري؛ فاطمأن قلبي".

- التربية النبوية ترسِّخ عقيدة التوكل على الله في سلوك المسلم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَالَ يعنِي إذا خَرَج مِنْ بيْتِهِ: بِسْم اللَّهِ توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، ولا حوْلَ ولا قُوةَ إلاَّ بِاللَّهِ، يقالُ لهُ هُديتَ وَكُفِيت ووُقِيتَ، وتنحَّى عنه الشَّيْطَانُ ) (رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني) ، وفي رواية: ( فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

- إن الله لا يضيع مَن توكل عليه، وحسن التوكل يضمن لك كفاية الله: قال الله -تعالى-: ( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (الطلاق:3) ، وفى حديث هاجر أم إسماعيل -عليهما السلام-، قال لها جبريل -عليه السلام-: "فَإِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا ابراهيم؟ قَالَتْ: إِلَى اللَّهِ, قَالَ: وَكَلَكُمَا إِلَى كَاف" (رواه الطبري في تفسيره بسندٍ حسن عن علي -رضي الله عنه-) .

2- الرضا بما قسم الله:

- الرضا بما قسم الله، يورث الغِنى في قلبك، والقناعة في نفسك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَارْضَ بِما قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النّاسِ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال - صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) (متفق عليه) ، وقال: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ ) (رواه مسلم) .

وصدق مَن قال:

هـي الـقـنـاعـة فـالـزمهـا تعش ملكًا لـو لـم يـكـن فـيـك إلا راحـة الـبـدن

وانـظـر لـمـن مَـلَـك الدنيا بأجـمعـها هل راح منها بغير القطن والكفن؟!

- احذر التشكي والتسخط؛ فإنه ينافي الرضا، وهو نذير منع النعم (مِن صور التشكي وعبارات التسخط: إعلان الحاجة والفلس دائمًا - حظي أسود - ليه يا رب كده؟ - المتعوس يلاقي العظم في الكبدة - فضلاً عن مظاهر العصبية واليأس): قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم:7) ، وفي حديث زيارة إبراهيم -عليه السلام - لبيت ولده إسماعيل -عليه السلام-، ومقابلة الزوجة الشاكية المتسخطة، وترك له رسالة: ( غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ ) (رواه البخاري) .

- احذر أن تكون ممن يحسن ويعبد إذا نزلت به النعم، ويسيء ويعصي إذا نزلت به الشدائد والمحن: ( فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) (الفجر:15-16) .

الصفحة التالية