رسائل المواساة لأهل الفقر والمعاناة (2) (موعظة الأسبوع) أدب المسلم الفقير
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- ليست النعم محصورة في المال، فقد تُعطى المال وتحرم غيره: عن يونس بن عبيد -رحمه الله- أن رجلاً شكا إليه ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك أن لكَ ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف، وأنت تشكو الحاجة!" (أمثلة: الكثير مِن الأغنياء محرومون مِن نعمة تناول ما تأكل أنتَ مِن أنواع الأطعمة والأشربة).
3- لا تنظر إلى مَن هو فوقك:
"مقادير الأرزاق في المآكل والمشارب، والملابس، والمساكن، والصحة والنسب، والعقل والديون... " تتفاوت لحكم يريدها الله -عز وجل-: ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (العنكبوت:62) ، وروي في الحديث القدسي: "وإن مِن عبادي المؤمنين لمَن لا يصلحه إلا الغنى؛ ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن مِن عبادي المؤمنين لمَن لا يصلحه إلا الفقر؛ ولو أغنيته لأفسده ذلك".
- لا تنظر إلى مَن فوقك في الدنيا؛ فتحتك الكثير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى من هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُم ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
- احذر أن تحسد الأغنياء، وادع الله لهم أن يكونوا مِن الشاكرين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) (متفق عليه) .
4- الاقتصاد في المعيشة:
- كثير مِن الفقراء تزداد معاناتهم بسبب محاكاة الأغنياء في الكماليات والتحسينات، والمساكن، والمآكل والمشارب والثياب، والهواتف المحمولة ونحوه؛ فتتراكم عليهم الديون والهموم، و كثير مِن الفقراء تتراكم ديونه؛ لأنه يتبع طريقة "كلما اشتهيت اشتريت!": مرَّ جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- ومعه لحم على عمر -رضي الله عنه- فقال: "ما هذا يا جابر؟ قال: هذا لحمٌ اشتهيتُه فاشتريته. قال: أوَكلما اشتهيت شيئًا اشتريته، أما تخشى أن تكون مِن أهل هذه الآية: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) (الأحقاف:20) ".
- الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يعين على الاقتصاد، ويهوِّن البلاء: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو مضجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئًا على وسادة مِن أدم حشوها ليف، ورفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت في بيته شيئًا يرد البصر غير أُهُبة ثلاثة. فقلتُ: يا رسول الله، ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارسًا والروم قد وسّع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان متكئا، فقال: ( أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (متفق عليه) .
- وليس في بيته فقط، بل في مأكله ومشربه وسائر معيشته: عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالتْ له: " ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ، ثُمَّ الهِلاَلِ، ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَارٌ! فَقُلْتُ يَا خَالَةُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟! قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا" (متفق عليه) .
- القليل مع الرضا والقناعة والتعفف راحة وكفاية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ الْآدَمِيِّ، لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ ) (رواه مسلم) ، ورحم الله أيامًا كان آباؤنا يقولون فيها: "بيت لا زلعة مش فيه جياع أهله!".
5- التعفف والسعي إلى الكسب الحلال:
- ليس معنى أن الأرزاق مقدَّرة أن يترك الفقير السعي في التكسب، ووقاية نفسه ذل السؤال: قال الله -تعالى-: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الجمعة:10) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ ) (متفق عليه) .
وعن معاوية بن قرة أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لقي ناسًا مِن أهل اليمن فقال: "مَن أنتم؟. قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتكلون، إنما المتوكِّل الذي يلقي حبَّه في الأرض، ويتوكل على الله" (رواه الحاكم وابن أبي الدنيا) ، وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "لحمل الجبال عليَّ أهون مِن سؤال الرجال!".
6- الدعاء والتضرع والاستقامة:
- أدب المسلم إذا نزل به البلاء، اللجوء إلى خالق الأرض والسماء، ورافع البلاء عن الفقراء: قال الله -تعالى-: ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:43) .