الحياة الطيبة!
عصام حسنين • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فكلُّ منّا يبحث عن الحياة الطيبة، وكلُّ له وجهته في ذلك، و-للأسف- منا مَن يمّم وجهه قِبَل المشرق والمغرب يبحث عنها، ونسي أنهم أنفسهم يبحثون عنها أيضًا؛ فما وجدوها فيما وصلوا إليه مِن تمدُّن وترف مع نسيانهم لربهم -تعالى-! ونسي أيضًا ما بيديه مِن أسباب الحياة الطيبة، كما قال القائل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما والـماء فـوق ظـهـورها محمول
- نعم، الطريق إلى الحياة الطيبة بيْن أيدينا -والحمد لله-، ممهدة أرضه، مبينة أسبابه في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (الأنفال:24) .
قال الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه: "( اسْتَجِيبُوا ): أجيبوا. ( لِمَا يُحْيِيكُمْ ): لما يصلحكم".
وما يُصلحنا هو الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله -تعالى-: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل:97) .
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله -في تفسيره: "هذا وعد مِن الله -تعالى- لمَن عمل صالحًا، وهو العمل المتابع لكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- مِن ذكر وأنثى مِن بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع مِن عند الله - أن يحييه حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة مِن أي جهة كانت؛ فعن ابن عباس وجماعة: الرزق الحلال الطيب. وعن ابن عباس أيضًا: السعادة. وعن الحسن ومجاهد: في الجنة. وعن الضحاك: العمل بالطاعة والانشراح لها.
والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد -رحمه الله- بسنده عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ ) (رواه مسلم) " اهـ .
وللحياة الطيبة أسبابًا، فمنها:
1- صدق الإيمان بالله تعالى -واللجوء إليه، والإقبال عليه بحيث يجعله همه: عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ) (رواه ابن ماجه، وحسنها لألباني) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "وإن أصبح وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمَّل الله -سبحانه- حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما همه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته!
وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه؛ فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم؛ فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، فكل مَن أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته! قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) (الزخرف:36) ، قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: "لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتُكم به مِن القرآن، فقال له قائل: فأين في القرآن: أعطِ أخاك ثمرة؛ فإن لم يقبل فأعطه جمرة!" قال: في قوله: ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ )" (الفوائد) .
وقال -رحمه الله-: "في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكّنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيرانُ حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لا تسد تلك الفاقة أبدًا" (مدارج السالكين) .
2- الأخذ بالأسباب في تحصيل الرزق الحلال وتحقيق الكفاف: فلا بد لأحدنا مِن معاشٍ طالما أن فيه حياة، قال الله -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك:15) ، وقال الله -تعالى-: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الجمعة:10) .
وهو مِن العبادة التي يؤجر عليها الإنسان، وخروجه فيه كخروجه للجهاد إذا كان سعيه في مرضاة الله؛ لينفق نفقة واجبة أو مستحبة، عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- -قال: مرَّ على النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رجلٌ، فرأى أصحَابُ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ جَلَدِه ونشاطِهِ، فقالوا: يا رسولَ الله! لوْ كانَ هذا في سبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إنْ كانَ خرج يَسْعى على وَلَدِه صغارًا فهو في سبيل الله، وإنْ كان خرجَ يسْعى على أبوينِ شَيْخَينِ كبيرَينِ فهو في سبيلِ الله، وإنْ كان خَرج يَسْعى على نفْسِه يَعَفُّها فهو في سبيلِ الله، وإنْ كان خرجَ يَسْعى رياءً ومُفاخَرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .