الحياة الطيبة!
عصام حسنين • التزكية
وفي المقابل يجعل تضييع مَن يعول مِن الذنوب العظيمة، عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) . أي: كفاه ذنبًا أن يضيع مَن يقوت بإهمالهم، وترك النفقة عليهم؛ ولأن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت؛ فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يدعو ربه بالكفاف، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ) (متفق عليه) ، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ" (رواه البخاري) .
- وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال: "كنتُ مع مولاي زيد بن صوحان في السوق؛ فمر علينا سلمان الفارسي -رضي الله عنه- وقد اشترى وسقًا مِن طعام، فقال له زيد: يا أبا عبد الله تفعل هذا، وأنت صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت، وتفرغت للعبادة، وآيس منها الوسواس" (حلية الأولياء 1/ 207) .
- ثم إذا حصَّل رزقه، وفرغ مِن حاجياته نصب لعبادة ربه -تعالى-، كما قال الله -تعالى-: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) (الشرح:7-8) .
قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "أي: إذا تفرغتَ مِن أشغالك، ولم يبقَ في قلبك ما يعوقه؛ فاجتهد في العبادة والدعاء ( وَإِلَى رَبِّكَ ) وحده ( فَارْغَبْ ) أي: أعظم الرغبة في إجابة دعائك وقبول عبادتك، ولا تكن ممن إذا فرغوا وتفرغوا، لعبوا وأعرضوا عن ربهم، وعن ذكره؛ فتكون مِن الخاسرين" اهـ .
- وألا يتعلق قلبه بالمال؛ وإنما يجعله في يده، وهذا مِن الزهد؛ ولئلا يؤدي إلى الشح والبخل، وأن ينشغل بشكر النعمة؛ فما مِن ذي نعمة إلا وهو مسئول عنها، أدى شكرها أم لا حتى يُسأل عن الماء البارد! قال الله -تعالى-: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) (التكاثر:8) .
- وأن تكون نفقته اعتدالاً لا إسرافًا أو اختيالاً، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا مَا لم يُخالطْ إِسْرَافٌ وَلَا مَخِيلَةٌ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني) . وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كل ما شئتَ، والبس ما شئتَ، ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة".
3- ومِن أسباب الحياة الطيبة: الصبر على أقدار الله المؤلمة وجوبًا، والرضا عن الله فيها استحبابًا، والشكر لله عليها إحسانًا؛ فإنه باب الله الأعظم الذي مَن ولجه عاش راضيًا عن الله -تعالى-، مطمئنًا به راجيًا خائفًا؛ لا يخشى إلا الله -تعالى-.
عن صهيب -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم) .
4- كثرة ذكر الله -تعالى-: ومِن ذكر الله -تعالى-: "ذكر النعم"، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) (الأحزاب:41-42) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) (الأحزاب:9) .
- ومِن ذكر الله: "كثرة تلاوة القرآن بتدبر وحضور قلب": قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ) (فاطر:29) ، وقال: ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) (آل عمران:113) ، وقال: ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) (المزمل:4) ، وقال: ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) (الإسراء:79) . ( فَتَهَجَّدْ بِهِ ): أي بالقرآن.
5- الإحسان للناس: قال الله -تعالى-: ( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (البقرة:195) ، وقال -تعالى-: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (البقرة:83) .
ومِن ثمرات الإحسان العظيمة: السلامة مِن الناس، وتفرغ القلب والبال لله -تعالى-.
- وأن يعاملهم بما يحب أن يعاملوه به دون انتظار المثل منهم، ويقبل اليسير مِن أخلاقهم ومعاملتهم.
وبعد، فهذه بعض أسباب الحياة الطيبة وأساسها؛ إن سلكها العبد رضي قلبه، وطاب عيشه، وكان في جنة الدنيا قبْل جنة الآخرة.
رزقنا الله وإياكم الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.