حوار د."ياسر برهامي" نائب رئيس الدعوة السلفية مع جريدة "الفتح" حول ملفات: "ترامب - وإيران - وسوريا - والعراق" (1-3)
صوت السلف • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
نحيا في منطقتنا العربية وسط بركان مِن الصراعات، تتجاذبه أطرافٌ عدة، وتحركه قوى كبرى وفق مخططات رُسمتْ منذ أمدٍ بعيد، ومعنا في هذا الحوار ضيفنا الدكتور "ياسر برهامي" نائب رئيس الدعوة السلفية؛ ليجيب عن تساؤلاتنا، ويحدثنا عما يجيش في صدورنا.
وإلى نص الجزء الأول مِن الحوار:
- بداية... ما تعليقك على نجاح "ترامب"؛ لا سيما بعد تصريحاته المعادية للمسلمين؟!
القرارات التي اتخذها الرئيس الأمريكي "ترامب" -بعد توليه في الأيام الأخيرة- قرارات عنصرية شديدة الاضطهاد للمسلمين، شديدة التحيز ضدهم، لا يمكن أن تتم مصالح الولايات المتحدة بهذه الطريقة.
وفي الحقيقة هذه القرارات تمثـِّل خطرًا على الولايات المتحدة ذاتها وعلى مجتمعها الذي يتفاعل المسلمون فيه بكل إيجابية -وفي الوقت نفسه المسلمون في العالم داخل دولهم المختلفة-، لا يمكن أن تتم مصالح الولايات المتحدة إلا مِن خلال حُسن العلاقة مع الدول العربية الإسلامية، ونرجو أن يتمكن الأمريكيون العقلاء مِن إيقاف هذه القرارات الخطيرة ضد المسلمين، وضد دولهم، ولا بد مِن الوقوف بكل قوةٍ مِن قِبَل الدول العربية والإسلامية ضد هذا التمييز العنصري.
- كيف تقرأ مؤتمر الآستانة والأزمة السورية؟
أرى أن مؤتمر الآستانة ضرورة للفصائل السورية، و"الضرورات تبيح المحظورات"، وقد تفاوض النبي -صلى الله عليه وسلم- مع كفار قريش على الصلح، رغم أنهم قتلوا المسلمين وعذبوهم، بل قتلوا حمزة عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومصعب، وشهداء أُحد جميعًا -خيرة الشهداء رضي الله عنهم-، وآذوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وهمَّوا بقتله، واضطروه للخروج مِن مكة، ومع كل ذلك قَبِلَ أن يتفاوض للصلح معهم، فهذه القضية لا بد أن يستوعبها الجميع، فهي "مسألة موازنات قوى مع مصالح ومفاسد".
الشعب السوري تعرض لإبادة ليس لها نظير؛ عدد المهاجرين السوريين الذين في البلاد الأخرى زاد تقريبًا 3 أضعاف اللاجئين الفلسطينيين جراء 3 حروب!
- هل نتصور العذاب الذي عاناه الشعب حتى يفر مِن بلده -التي كان آمنًا فيها- إلى بلاد العالم الأخرى التي يتعرض فيها إلى الذوبان الثقافي وضياع الهوية، ويترتب عليها مِن المفاسد على الأجيال القادمة ما لا يعلمه إلا الله؟!
هل نتصور عدد القتلى والجرحى الذين لا بد لهم مِن فرصة للعلاج لاستئناف الحياة الطبيعية؟!
هل تدرك الفصائل أن العالم اتفق على منعهم مِن السلاح الإستراتيجي الذي يُغير ميزان الحرب ويحسمها -أعني السلاح المضاد للطائرات- وأنه لن يصل إليهم ذلك؟!
فلا يمكن أن يظلوا في الحرب بهذه الموازنات العسكرية.
الشرع يأمر بمراعاة هذه الموازنات، والذين ينكِرون على المعارضة السورية وفصائل المقاومة السورية التي شاركت في مؤتمر الآستانة بزعم أنهم خانوا الجهاد، لا يفقهون سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا ما جاء به الشرع مِن إمكان المعاهدات مع الكفار بجميع أنواعهم، وما أُمرنا به مِن مراعاة الموازنات، موازنات القوى وموازنات الأوضاع السياسية والاقتصادية، وما يمكن تحقيقه مِن المرجو وليس كل المرجو.
الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين عقد صلح الحديبية لم يخُن شهداء أحد، ولم يضيع الجهاد الذي سبق، ولم يحكم على ما سبق مِن الجهاد أنه كان غير مشروع؛ بل الجهاد مشروع والمفاوضات مشروعة، والصلح الذي يحقق المصالح مشروع، ونسأل الله أن يوفقهم لذلك.
- ما رأيك في أزمة العراق والتكالب الشيعي الخبيث على أهل السُّنة؟ وهل توجد هناك فصائل إسلامية سُنيَّة قوية تعد "بصيص أمل" في المستقبل؟
الوضع في العراق مِن أسوأ أوضاع الدول العربية على الإطلاق؛ لأن الاحتلال الأمريكي سلَّم العراق للشيعة، بل الحقيقة سلّمها لإيران، والكل يعلم ذلك، بجانب تضييع ثروات العراق على غير مواطنيه وعلى غير أبنائه، مع التقسيم الحقيقي في شكل دولة واحدة، لكن وجود تنظيم "داعش" في المعادلة ونشأته في العراق أصلاً وما مارسه مِن أفعال شوّهت صورة المقاومة العراقية والمقاومة الإسلامية، ولا توجد فصائل إسلامية ذات شأن يمكن أن تكون بديلاً عن "داعش"؛ وبالتالي حقوق أهل السُّنة تضيع كل يوم بسبب الأفكار المنحرفة والتآمر الغربي الشيعي الصهيوني على هذه الدولة العربية، ولا نرى في الأفق مخرجًا إلا أن يتغمدهم الله برحمته.
أنا أدعو جميع أهل السُّنة في العراق إلى الاهتمام بالدعوة إلى الله -عز وجل-، والاهتمام بمنهج أهل السُّنة على حقيقته، ومقاومة التغلغل الشيعي بنشر العلم، ونشر التوحيد، وتحصين عوام أهل السُّنة بالعقيدة الصحيحة حتى لا يتحولون للمذهب الشيعي تحت الضغط السياسي والأمني والاقتصادي، كما أدعوهم إلى التوحُّد بعيدًا عن مناهج التكفير أو مناهج الممالأة لأعداء الأمة، وأن يبتعدوا عن المشاركة التي تضرهم ولا تنفعهم.
- كيف تفسر تفكك ليبيا وانتشار الميليشيات المسلحة؟
الوضع في ليبيا يمثـِّل مأساة عظيمة جدًّا للشعب الليبي ربما تزيد عن مأساتهم مع "القذافي"؛ استبشر الناس خيرًا بالثورة، وبالتخلص مِن هذا الطاغية، لكن جاء طغاة صغار ساموا الشعب ألوان العذاب بتنازعهم وافتراقهم واختلافهم، فضلاً عن انتشار المناهج المنحرفة مِن المناهج التكفيرية التي لا تَرعى حرمة دماء المسلمين وتستبيح حرماتهم، وحتى الاتجاهات التي تنتسب إلى السلفية حملت السلاح على المسلمين في حين لم تحمله قط في الدفاع عن حقوق الشعب الليبي؛ وترتب على ذلك ما نراه مِن أحوال صعبة للغاية: كضياع الأمن، والانهيار الاقتصادي، واستغلال الثروات لغير مصلحة الشعب الليبي الذي لا يَدري أين تذهب! والوصول إلى طريقٍ مسدودٍ في الحل السياسي.
بوادر كبيرة جدًا لانقسام الدولة الليبية، عجز العقلاء عن التصرف والتدخل بعد غياب العقل لدى الكثير مِن الفصائل، وهذا يبيِّن مدى خطر انتشار الفكر المنحرف الذي كان رد فعل للبطش والطغيان، وهذا أمر طبيعي جدًّا نعاني منه في كل مكان.