حوار د."ياسر برهامي" نائب رئيس الدعوة السلفية مع جريدة "الفتح" حول ملفات: "ترامب - وإيران - وسوريا - والعراق" (1-3)
صوت السلف • قضايا معاصرة
فسوء معاملة الأنظمة للحركات الإسلامية، وعدم إدراك كيفية التعامل يؤدي دائمًا إلى ظهور هذه الأفكار المنحرفة، والسجون والتعذيب والظلم وانتهاك الحرمات؛ أمر يؤدي دائمًا إلى ظهور هذه الأفكار التي تدمِّر الأمة وتخرِّب شعوبها.
وأنا أقول: إن غياب "الدعوة السلفية الوسطية" عن ليبيا -الدعوة السلفية الحقيقية صاحبة المنهج الإسلامي الصافي- هو سبب الانقسام الحالي دون وجود مَن يحاول أن يجمع الفرقاء المختلفين؛ إضافة إلى عدم وجود صوت عاقل مؤثر أدى إلى ما نراه مِن الخلل، والشعب الليبي نفسه مُعْرِضٌ عن كل ذلك، لكن لا حيلة له في تغيير الواقع.
والذي أرجوه أن يفكر كل هؤلاء بالعقل قبْل أن يأتيه طوفان التقسيم يطغى عليهم جميعًا، ويتركهم في صراع الضعفاء الذي لا ينتهي بانتصار أحد منهم، بل بسيطرة أعداء الأمة على هذه البلاد مباشرة أو بطريقة غير مباشرة.
- البعض يرى أن السعودية دخلت اليمن؛ لمحاربة الحوثيين، لكنها "تورطت في ذلك" ولا تستطيع الخروج، فما رأيك؟!
السعودية لم يكن لها بديل عن التدخل في اليمن أمام توغل الحوثيين هناك، بجانب التدخل الإيراني المباشر، والتحالف المشئوم بينهم وبيْن الرئيس السابق "علي عبد الله صالح"، وجهل الفصائل الإسلامية الأخرى بموازنات الصراع العقدي والعسكري والسياسي مع الشيعة؛ مما كان يمثـِّل بالتأكيد خنجرًا في ظهر الرياض، فالمملكة اُضطرت إلى التدخل ومعها الدول المتحالفة معها، التي أكثرها كان تحالفًا شعبيًّا يعبِّر عن التعاطف والموافقة، لكنه ليس تحالفًا عسكريًّا يحسم المعركة.
وأرى أن الغرب حريص في جميع دول الربيع العربي على أن تظل المعادلة -كما ذكرتُ في التعليق على ليبيا- هو "صراع الضعفاء المتوازي" الذي لا يحسم المعركة لأي طرف؛ ليظل ذلك لاستنزاف هذه الدول لتصل إلى الحضيض في جميع الأمور اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا؛ مما يمهِّد الطريق لإسرائيل منفردة لقيادة المنطقة!
وواضح جدًّا أن الغرب يفضِّل أن تكون إيران شرطي هذه المنطقة الذي لا يمس المصالح الإسرائيلية والغربية بأي درجةٍ مِن درجات التهديد في الحال والمستقبل؛ فهم يفضلون ذلك على كل الدول العربية حتى التي عقدت معاهدات سلام؛ يفضلون -ويرغبون- إيران التي تحالفت مع الغرب في كل صراعاته مع العالم العربي والإسلامي في أفغانستان والعراق، وقديمًا الدولة الصفوية ضد الدولة العثمانية، وأقدم مع التتار ضد الدولة العباسية، وأقدم مِن ذلك مع الصليبيين ضد المسلمين عندما احتلوا بيت المقدس!
فالتاريخ طويل جدًّا أكَّد لهم أن "الشيعة" هم أفضل مَن يتعاون معهم في تحقيق أغراضهم؛ لذا يحاولون أو يريدون فرض إيران كشرطي للمنطقة لها أصابعها تحاصر كل الدول السُّنية الأخرى، فإما أن ترضخ للمطالب أو أن يأكلها الغول الإيراني المتوحش.
- ما توجيهك لما يحدث في بورما؟
الوضع في بورما مأساوي للغاية؛ فالمسلمون محاصرون مِن جميع الجهات، ولا يمكن توصيل مساعدات إليهم "حتى الإمدادات الإنسانية" إلا مِن خلال الحكومة البوذية المتطرفة المتعصبة ضد المسلمين، الذين يحاولون اعتبار الطائفة المسلمة "الروهينجا" مهاجرين غير شرعيين؛ ليبرروا طردهم، والعالم يقف متفرجًا على هذه المأساة العظيمة التي صنّفتها هيئة الأمم المتحدة كأكبر وأشد طائفة تتعرض للاضطهاد في العالَم كله، ومع ذلك لا أحد يحرك ساكنًا! ودعم المسلمين هناك شبه ممتنع مِن جميع الجهات؛ إلا بعض المساعدات الإنسانية؛ فلا بد مِن إحياء القضية في العالم.
- ما رأيك في مبادرة "شيخ الأزهر" لحل أزمة "مسلمي الروهينجا"، وما أثير حول مدحه الديانة البوذية؟
لا شك أن محاولة الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الأزهر، والمبادرة التي قام بها تدل على تألم قلبه على أحوال المسلمين، وشعوره بالرابطة الإسلامية، هو والفريق "سوار الذهب" -جزاهما الله خيرًا-.
أنا أقول لمن لم يعملوا شيئًا على الإطلاق، ولم يسهموا بأي تخفيف ولا محاولة لنصرة المسلمين في بورما، الذين تكلموا عن "شيخ الأزهر": ظلمتم "شيخ الأزهر"، العبارة التي قالها "شيخ الأزهر" حُمّلت ما لا تحتمل، بل هي مصوغة بدقةٍ، فقد قال: "إن البوذية دين إنساني"، وهذا يعني أنه ليس دينًا سماويًّا، وهذا في الحقيقة ليس مدحًا، بل هو تقرير بأن البوذية دين موضوع، قال: "إنه درس في الأزهر أن المؤرخين قالوا عن بوذا أنه كان يدعو إلى الرحمة، وأنه كان رحيمًا رفيقًا"، يذكِّرهم بالرحمة الذين يقولون إن إلههم كان يتميز بها! فكيف تعاملون المسلمين بهذه الطريقة؟! في هذا السياق واضح جدًّا أنه ليس سياق مدح مطلق، لكنه يذكرهم بأنهم ينتسبون إلى دين صاحبه يدعو إلى الرحمة وهم يمارسون خلافها.
وهذا الأسلوب استعمله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الرسالة القبرصية" إلى ملك قبرص وزعيمها الديني في هذا الوقت، وهي مطبوعة ضمن الجزء الثامن والعشرين مِن فتاوى شيخ الإسلام، قال فيها كلامًا مِن جنس ما قاله شيخ الأزهر؛ فهذا ليس مدحًا، لكنه إلزام للخصم باتباع ما يدّعيه مِن الانتساب إلى دينه، وتحليه بالرحمة التي يأمره بها دينه.
فلم يأمرهم بأن يبقوا على الشرك، ولا صوَّب ذلك الشرك؛ فلكل مقامٍ مقال، فمقام التفاوض غير مقام الدعوة إلى الله -عز وجل-، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديبية التزم بالتفاوض وظل على دعوته على ما كان يقرره، مكتفيًا بما قاله قبْل ذلك.
فلا يلزم الداعية في كل موطن أنه لا بد أن يكرر كل المقولات، طالما أنه لم يَتراجع عنها؛ فهي باقية، وكما ذكرتُ: "لكل مقام مقال".