شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رسالة إلى ورثة الأنبياء (2) لا تيأس

جابر عبد الوهاب • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) (رواه البخاري) .

ففي هذا الحديث العظيم شكا خباب بن الأرت -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما يَلقى مِن أذى المشركين، شكوى تحمل في طياتها معنى الضيق والألم؛ فضرب له -صلى الله عليه وسلم- مثلاً بما لقيه المؤمنون في الأزمنة الماضية، ثم طرد عن قلبه اليأس، وزرع فيه الأمل الخصب حين أخبره أن الله -تعالى- سيتم هذا الأمر حتى يسير الراكب مِن أقصى الجزيرة إلى أقصاها لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.

أيها المسلمون: إن أهل الإيمان والدعوة إلى الله هم أشد تعرضًا للأذى والمحن والابتلاء في أموالهم وأنفسهم وكل عزيز لديهم، وقد اقتضى نظام الكون أن يكون لهم أعداءٌ يمكرون بهم ويكيدون لهم، ويتربصون بهم الدوائر، كذلك جعل الله لآدم -عليه السلام- إبليس، ولإبراهيم -عليه السلام- النمرود، ولموسى -عليه السلام- فرعون، ولمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- أبا جهل وأمثاله ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) (الفرقان:31) ، ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) (الأنعام:112) .

وكذلك يكون المؤمنون مِن أتباع الأنبياء هم أشد الناس بلاءً بعد الأنبياء؛ الأمثل فالأمثل، ومَن ظن أن طريق الإيمان والدعوة إلى الله مفروش بالأزهار والرياحين؛ فقد جهل طبيعة الإيمان بالرسالات، وطبيعة أعداء الرسالات! ولعل هذا الحسبان دخل في نفوس بعض المؤمنين في العهد المكي بعد ما أصابهم مِن العذاب ما أصابهم؛ فنزل قوله -تعالى-: ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت:1-3) .

بل في العهد المدني نجد القرآن ينفي مثل هذا الحسبان في مثل قوله -تعالى-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (البقرة:214) .

فالجنة إذن لا بد لها مِن ثمن، وهي السلعة الغالية؛ فلا مفر مِن الثمن، وقد دفعه أصحاب الدعوة مِن قبْل؛ فلا بد أن يدفعه إخوانهم مِن بعدهم، وذلك أن أصحاب الدعوة إلى الله -تعالى- يطلبون مِن الناس أن يتحرروا مِن أهوائهم ونزواتهم وشهواتهم وموروثاتهم، وما ألفوه ونشأوا عليه، ويطلبون منهم كذلك أن يثوروا على عادات أقوامهم الباطلة، ويقفوا عند حدود الله فيما أمر ونهى، وأحلَّ وحرَّم، وهذا والله ما فيه حياة قلوبهم وانشراح صدورهم، واتساع نفوسهم في الدنيا ونعيمها في الآخرة في جناتٍ ونهر، في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر.

وكثير مِن الناس لا يريدون ذلك ولا يحبون الدعوة إلى هذا الخير -نعوذ بالله!-؛ ولهذا نجدهم يقاومونها بكل قوةٍ، ويحاربون دعاتها بكل سلاح، وينفقون أموالاً لا طائل لها! ويصدون عن سبيل الله بكل سبيلٍ ممكن، معتقدين أنهم أكثر أموالاً، وأعز نفرًا، وأوسع سلطانًا، وأكثر ظهورًا في منتدياتهم وقنواتهم وإعلامهم الضال المضل، وهنا يظهر دور الدعاة إلى الله الذين لا يَعرف اليأس إلى قلوبهم سبيلاً؛ الذين يتسلحون بسلاح اليقين، ويعتصمون بضياء الصبر، قال الله -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) ، فالصبر وعدم اليأس كما يقول علي -رضي الله عنه-: "سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، وضياء لا يخبو".

وهذا هو السر في اقتران التواصي بالصبر والحق في سورة العصر، قال الله -تعالى-: ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (العصر:3) ؛ ولهذا أوصى لقمان -عليه السلام- ولده بالصبر وعدم اليأس عندما يصيبه بلاء وأذى عقب وصيته له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله -تعالى-: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (لقمان:17) ، كأنه يقول له: ما دمتَ تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فوطـِّن نفسك على احتمال المكاره منهم، وتقبَّل الأذى مِن جهتهم؛ فهم خصومٌ لمَن يأمرهم بالمعروف؛ لأنه ثقيل عليهم، وأعداءٌ لمن ينهاهم عن المنكر؛ لأنه محبب إليهم، وهنا يحتاج الداعي إلى سبيل ربه إلى صبرٍ عظيم، وعمل دءوبٍ، وصدرٍ منشرح، للتغيير مِن الضلال إلى الهدى، ومِن الغي إلى الرشاد، ومِن الفساد إلى الإصلاح، إلخ.

الصفحة التالية