رسالة إلى ورثة الأنبياء (2) لا تيأس
جابر عبد الوهاب • مع الدعاة
ألم ترَ إلى نوحٍ -عليه السلام- الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ استعمل فيها معهم كل ممكن، وطيلة هذه الفترة لم ييأس، وتعاقب عليه أجيال؛ فلم يكل ولم يمل مِن دعوتهم إلى الله -تعالى-، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا القليل، وسيرة نبينا -صلوات الله عليه وتسليماته- شاهدة على صبره وتحمله وجَلده، وعدم يأسه في دعوته إلى ما فيه نجاة قومه، وفي سبيل ذلك وجد مِن الصد والإعراض، والسب والشتم ومحاولة الاغتيال أكثر مِن مرة، وهو ماضٍ كما أمره الله، لا يلتفت إلى جهل الجاهلين وإعراض المعرضين حتى بلـَّغ رسالة ربه -تبارك وتعالى- على أكمل وجه وأجمل صورة -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا سائر الأنبياء والمرسلين ما أن يجهروا برسالة ربهم فيُعرِض عنهم الجاهلون، ويتخلى عن رسالتهم المبطلون، ولكن هذا الأمر لن يدفعهم إلى اليأس، بل واصلوا دعوتهم وأقاموا الحجة كما أمرهم مَن أرسلهم -تبارك وتعالى-، وهكذا أئمة الهدى ومصابيح الدجى مِن المتقدمين والمتأخرين مِن أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- الداعين إلى الصراط المستقيم لم ييأسوا أبدًا مع ما لاقوه مِن أذى وإعراض، بل نجحوا نجاحًا عظيمًا في تربية الأجيال الذين جاءوا مِن بعدهم.
والناظر في حال أئمة وعلماء ودعاة عصرنا هذا يجد العجب العجاب مِن صبرهم وعدم يأسهم مما يَلقون مِن الأذى الذي يأتيهم مِن جهاتٍ شتى، ومع ذلك فهم صابرون صامدون، ننظر إلى أحدهم فكأنما ننظر إلى الجبال الشم الرواسي في الثبات والتضحية بكل ما يملكون.
افترض أن الإمام أحمد -رحمه الله-، إمام أهل السُّنة والجماعة وإخوانه مِن أئمة المذاهب: كالإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، وغيرهم مِن أئمة المذاهب العظماء: كالليث بن سعد، والشعبي، والزهري، ومَن مثلهم في الفقه، والسفيانين، وابن معين، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد الوهاب الثقفي، والبخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمسانيد -رحمهم الله جميعًا- وغيرهم مِن المحدثين الذين حفظوا لنا سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-... افترض أن اليأس تسرب إلى قلوبهم في مقتبل طلبهم للعلم؛ كيف كان الحال؟!
أما أنا فلا أستطيع أن أتخيل هذا!
بل افترض أن شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية -رحمه الله-، وتلامذته كابن القيم الجوزية، والمزي، وابن رجب، وابن كثير، وغيرهم لو لم يَظهروا في التاريخ الإسلامي، ولم ينتشر العلم بهذه الصورة الفذة النافعة - لو أنهم يأسوا في بداية طلبهم للعلم ونشرهم للدعوة؛ فقل لي بربك كم كان سيضيع مِن العلم والفهم الذي ورثوه عن الأئمة ومَن بعدهم؟!
ولكَ أن تتخيل في واقعنا المعاصِر ونشأة السلفيين في مصر والعالم العربي بداية مِن العلامة محمد رشيد رضا، وإخوانه وتلامذته -وعلى رأسهم الشيخ حامد الفقي- الذين عملوا على هندسة دخول السلفية إلى مصر، والشيخ ابن باديس في الجزائر، والشيخ السنوسي في ليبيا وغيرهم، وكل هذه الدعوات المباركة التي هي مِن أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- الإمام المظلوم مِن خصومه -وعلى رأسهم الصوفية-؛ تخيل لو كان اليأس تخلل إلى قلوب هؤلاء الأفذاذ؛ فإلى أين كانت ستسير الأمور مع نشاط العلمانية والعلمانيين؟!
وأخيرًا: تخيل الدنيا اليوم -وهذه الصحوة المباركة التي كان العامل الأساسي فيها الأمل وعدم اليأس بعد توفيق الله- كيف كانت ستكون لو لم يَظهر فيها مثلث العلم النافع: سماحة الشيخ ابن باز، والمحدث النحرير الشيخ الألباني، والفقيه النبيل الشيخ محمد صالح العثيمين، وتلامذتهم مِن أبقاع المعمورة؟!
وهنا في مصر؛ أولئك الأفاضل الذين بدأوا شبابًا عصاميين، نشروا العلم والدعوة في أروع صورها، ولم ييأسوا يومًا مع كثرة العراقيل التي قابلتهم، ومِن هؤلاء: فضيلة الشيخ أبي إدريس، والشيخ محمد إسماعيل المقدم، والشيخ أحمد حطيبة، والشيخ أحمد فريد، والشيخ ياسر برهامي، والمحدث الكبير أبي إسحاق الحويني، والشيخ العدوي، والشيخ العفاني، وغيرهم مِن إخوانهم وتلامذتهم.
مثل حي في الصبر والمثابرة والطموح وعدم اليأس
الشيخ "ياسر برهامي":
الشيخ ياسر برهامي -حفظه الله تعالى-، يتهمه الخوارج أنه مرجئ، وتتهمه المرجئة أنه مِن الخوارج! فضلاً عن سجنه أكثر مِن مرةٍ ظلمًا بإقرارٍ مِن محاكميه، ويتهمه العلمانيون أنه متشدد ومتعصب، ويتهمه الإخوان أنه مداهِن!
وما مِن واقعةٍ تقع في المجتمع لا يجدون شماعة يضعون عليها فشلهم إلا هو!
وإذا أراد مغرض "عدو للدين والسُّنة" أن يطعن في الشرع -كمن يريد أن يمحو التراث حتى يجذب إليه الناس ليشاهده الملايين!- فإنه يبدأ أول ما يبدأ بالطعن فيه؛ لأنه بالنسبة له مادة حية، وفيها صيد ثمين لجذب الناس إليه؛ ناهيك عن الحسد الذي يقع مِن بعض الأقران له، وتعرض الجاهلين له بالسب والشتم والاعتداء حتى في الحرم، والتعدي على منزله ظلمًا وعدوانًا إلى غير ذلك... وهو مع ذلك كله سائر -كما يعظ هو الإخوة بذلك- كأنه قطار يسير على قضيبين لا يلتفت إلى أحدٍ؛ همه الوحيد إعلاء كلمة الله -تعالى- في الأرض، نحسبه كذلك والله حسيبه؛ لا ييأس أبدًا، نسأل الله له المزيد مِن الثبات والرسوخ، والتقوى والخير، فهو ما إن نراه حتى يدب الأمل في قلوبنا.
فيا ورثة الأنبياء...
أيها الدعاة والعلماء وطلبة العلم...
لا سبيل إلى دعوة الناس إلا بالصبر وعدم اليأس؛ لا تيأسوا فإن اليأس ليس مِن أخلاق المسلمين.
لا تيأسوا؛ فإن اليأس انتحار القلب، اليأس يربح غالبًا المعارك مِن النفس.
أما الدعاة إلى الله؛ فلا ينبغي أن يخسروا المعركة مع اليأس أبدًا.
يا ورثة الأنبياء... اليأس لا يليق بكبار النفوس.
لا خير في اليأس كل الخير في الأمل أصل الشجاعة والإقدام في الرجل
وصلى الله وسلم على محمدٍ وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.