رسائل المواساة (5) اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض مِن الرسالة:
المواساة والتصبير للفقراء وأصحاب المعاناة في الدنيا, بانتظار عيش الجنة في الآخرة.
المقدمة:
- الإشارة إلى أنه سبق التنبيه في رسالة "أدب المسلم الفقير" على أن مِن أهم الآداب التصبر بانتظار عيش الآخرة.
- التنبيه على أن الإنسان يعيش منذ وجوده حياتين: حياة الدنيا, وحياة الآخرة, والأولى استثنائية، والثانية هي الحقيقية، قال الله -تعالى-: ( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) (الفجر:23-24) .
- لما كان عيش الدنيا ومتاعها مشهود, وعيش الآخرة ومتاع الجنة غيب موعود, تعلق كثيرٌ مِن الناس بالمشهود؛ لثقل الموعود وانتظاره على نفوسهم؛ ولأجل ذلك قارن الحق -تبارك وتعالى- بيْن متاع الدنيا ونعيم الآخرة, وأطال في ذم الدنيا، وبيان فضل الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد الإنسان في طلب نعيم الآخرة، وسنتناول ذلك مِن خلال ثلاثة وجوه للمقارنة.
1- متاع الدنيا قليل زائل، ونعيم الآخرة كثير دائم:
- لا وجه للمقارنة والتقارب، والمقارنة بينهما كالمقارنة بيْن البحر والقطرة: قال الله -تعالى-: ( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ) (النساء:77) ، وقال: ( مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ) (النحل:96) ، وقال عن خلود نعيم الآخرة: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ . جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) (البينة:7-8) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ) (رواه البخاري) .
وقال بعض السلف: "لو كانت الدنيا مِن ذهبٍ يَفنى، والآخرة مِن خزف يبقى، لكان على العاقل أن يختار الخزف الباقي على الذهب الفاني؛ فكيف والدنيا مِن خزف يفنى، والآخرة مِن ذهب يبقى؟!".
- الدنيا كلها بمتاعها لا تساوى عشر نصيب أدنى أهل الجنة منزلة: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا -أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا-، فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي -أَوْ أَتَضْحَكُ بِي- وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ ) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يَقُولُ: ( ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً ) (متفق عليه) .
2- نعيم الآخرة أفضل مِن حيث النوع:
- وليس عيش الآخرة أفضل مِن جهة الكثرة والدوام فحسب، بل مِن جهة النوع كذلك؛ فمتاع الآخرة حقيقي، ومتاع الدنيا مزيف، وهذا هو وجه المقارنة الثاني: قال الله -تعالى-: ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (آل عمران:185) ، وقال: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (آل عمران:14) .
- فالأسماء تشترك، ولكن النوع يختلف، وهذه صور مِن متاع الآخرة تدل على الاختلاف وإن اتفقت الأسماء: قال الله -تعالى-: ( كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) (البقرة:25) .
- أغنى أغنياء العالم لا يبلغ قصره قطعة صغيرة مِن ولاية أو محافظة: أما قصور الجنة فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صفة بنائها: ( لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وسبق حديث أدنى رجل مِن أهل الجنة.
- ما مِن طعام مِن أطعمة الدنيا وشرابها إلا وله آثار مضرة باعتبار أو آخر؛ فهذا يزيد السكر، وهذا يزيد الأملاح، وهذا يرفع الضغط، وهذا يزيد الدهون في الدم، وهذا كذا... ! أما طعام وشراب أهل الجنة: قال الله -تعالى-: ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) (الحاقة:24) ، وقال -تعالى-: ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ) (الإنسان:21) .
وقال -تعالى-: ( وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) (الواقعة20-21) ، ( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ) (الإنسان:5) ، ( وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً . عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ) (الإنسان:17-18) ، ( وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ . عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) (المطففين:27-28) .
- لباس أهل الجنة: قال الله -تعالى-: ( يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ) (الكهف:31) .