وثيقة المدينة مع اليهود (10)... معالم قضائية وحقوقية
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تضمنت "وثيقة المدينة" أهم مبادئ العدل الإسلامية التي بُنيتْ على قول الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا . يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:58-59) .
وهذه المبادئ الإسلامية هي التي تمثـِّل حقوق الإنسان الحقيقية التي شرعها الله، والتي تخَلَّفَتْ عنها البشرية المخالِفة لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- قرونًا طويلةً، حتى أقرَّتها نظريًّا فيما يُسمَّى بالمواثيق الدولية، ولا تزال متخلفةً عنها تطبيقًا عمليًّا إلى يومنا هذا؛ لا تعمل بما أقرَّته في المواثيق، ولا تُنَفِّذ ما التزمتْ به الدول مِن تعهُّدات؛ إلا حسب الهوى، وبالعصبية القومية دون مراعاة لحقوق باقي البشر الآخرين، في حين كان "التنظير والتطبيق العملي" في دولة الإسلام الأولى الشامخة، متلازمين.
وكانت وثيقة المدينة مع اليهود تمثـِّل الأساس القانوني للتعامل بقواعد هذا الدين العظيم مع رعايا الدولة المسلمة مِن المسلمين واليهود، وبالاصطلاح المعاصِر "المواطنين"؛ أي الذين يشتركون في الوطن الواحد، وتحت قيادةٍ موحدة في شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك العهد، والذين يسعون إلى تحقيق مصالح مشتركة لهم مِن خلال التعايش الآمن بينهم، مع احتفاظ كلٍّ بدينه مع قيادته، وعبادته، وشخصيته المستقلة، وأنه لا يَلزم ما يحاوله البعض -بل الأكثر- مِن فرض صورة "المواطنة" التي يُهدم فيها الدين وقواعده؛ بزعم المساواة بيْن الأديان التي لا تحصُل شرعًا -ولا قَدَرًا- بالطريقة التي يَدعون إليها ولا يطبقونها إلا حسب الهوى! فالأديان لا يمكن أن تتساوى وهي "متناقضة" في الاعتقادات والعبادات، والمعاملات، والحلال والحرام، في حين أن التعايشَ يكون بالقواعد العادلة والحقوق المشتركة والقدْر الواجب شرعًا والممكن تطبيقه واقعًا عمليًّا.
ونلحظ في هذا النوع مِن المعالم والملامح ما يأتي:
1- تحديد المرجعية التشريعية في الشريعة الإسلامية "وَحْيًا مِن عند الله، وتطبيقًا له في سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، كما ورد في نص الوثيقة: "وإنكم مهما اختلفتم فيه مِن شيء؛ فإن مرده إلى الله -عز وجل- وإلى محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-" انتهى . وهذا مصداقه في كتاب الله قوله -تعالى-: ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (الشورى:10) ، وقوله -تعالى-: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا . فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا . وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا . فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:59-65) .
فيستحيل أن يقبل مسلمٌ أن تكون المرجعية التشريعية في دولة الإسلام -على أي صورةٍ كانت- لغير الوحي المنزل، ليس كما هي طريقة الحكم "الثيوقراطي" الذي يعطي الحاكم الحق الإلهي في التشريع! بل هذا عند أهل الإسلام نوع مِن الشرك والكفر، قال الله -تعالى-: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة:30-31) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعَدِيّ بن حاتم -رضي الله عنه- لما قال: "إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ"، قال: ( أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ), قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ( فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ ) (رواه الطبراني والترمذي، وحسنه الألباني) .