وثيقة المدينة مع اليهود (10)... معالم قضائية وحقوقية
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
والأحكامُ الشرعيةُ المستفادة مِن النصوص -كتابًا وسُنةً وما تفرَّع عنهما- لازمةٌ للحاكم ومَن دونه على السواء؛ فنظام الحكم الإسلامي ليس حُكمًا "ثيوقراطيًّا" ولا "ديمقراطيًّا" بالمعنى الغربي؛ فليس مِن الناس مَن له حق التشريع والتحليل والتحريم -فردًا أو جماعة أو هيئة-، وعليهم أن يجتهدوا -مِن خلال قواعد الاجتهاد الشرعية- في الوصول إلى حكم الله، ومَن خالَفَه -مِن حاكم أو محكوم- فحكمه مردودٌ لمخالفته الدستور الأعلى والقانون المُلْزِم للجميع الذي يُستمد مِن النصوص.
وهذا لا يناقض ما قررناه سابقًا مِن جواز الصلح مع الكفار على ترك تحاكمهم -في شئونهم الخاصة، وفيما لا يَعُمُ فسادُه للمسلمين- لقاضيهم أو لحاكمهم؛ وذلك لأن هذا داخل ضمن ما شرعه الله، قال الله -تعالى-: ( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (المائدة:42) ، والراجح كما ذكرنا مِن قبْل أن هذه الآية ليست منسوخة، وأن ذلك في المُعَاهَدين مثل هذه العهود حسب المصلحة، فيُعمَل بها في أحوال يحتاج إليها -كما سبق-، وفي حدود ما ذكرنا مما لا يَعُمُ فساده.
2- تحديد المرجعية التنفيذية في حاكم المسلمين الذي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصفته حاكمًا لهذه الدولة؛ إضافة إلى وصف النبوة والرسالة، فإن اليهود رغم أنهم لم يكونوا آمنوا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- رسولاً مِن عند الله إلا أنهم التزموا بحكم هذه الوثيقة وبنودِها بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للدولة، حيث وقع في نصها: "وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-، وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ، وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا".
وفيها أيضًا: "وإنه لا يُجيرُ مشركٌ مالًا لقُريشٍ ولا نفسًا، ولا يحول دونَه على مؤمنٍ".
وفيها أيضًا: "وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ، وَإِنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ; لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ -يُهلك- إِلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ، وَبَنِي الْحَارِثِ، وَبَنِي سَاعِدَةَ، وَبَنِي جُشَمَ، وَبَنِي الْأَوْسِ، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ وَجَفْنَةَ، وَبَنِي الشُّطَيْبَةِ، مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-".
3- إثبات حق الأمن والدفاع عن الأنفس والأعراض والأموال لجميع رعايا الدولة المسلمة المُلتزمين بهذه الوثيقة، وتعاونهم على ذلك مسئولية الدولة في إقامة ذلك، كما ورد في الوثيقة: " وَإِنَّهُ مَنْ تَبِعَنَا مَنْ يَهُودَ، فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ وَالْأُسْوَةَ; غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرٍ عَلَيْهِمْ". وفيها أيضًا: "وَإِنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دَعَوْا إِلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنَّهُمْ يُصَالِحُونَهُ، وَإِنَّهُمْ إِذَا دُعُوا إِلَى مَثْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِلَّا مَنْ حَارَبَ فِي الدِّينِ; عَلَى كُلِّ أُنَاسٍ حِصَّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمُ الَّذِي قِبَلَهُمْ، وإنَّ يَهُودَ الأَوْسِ مَوَاليهم وأنفسهم عَلَى مِثْلِ مَا لِأهْلِ هَذِه الصَّحِيْفَةِ مَعَ البِرِّ الحَسَنِ مِن أهِلْ هَذِهِ الصَّحِيْفَةِ".
ولنا تكملة -إن شاء الله-.