شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (17) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد استعرضنا في المقال السابق كيف تمتْ بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ثم مطالبة بعض الصحابة وعلى رأسهم أم المؤمنين عائشة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهم-، بإقامة القصاص على قتلة عثمان -رضي الله عنه-، وقد اعتذر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأبدى وجهة نظره في إرجاء إقامة القصاص، ثم تحرك جمع غفير مِن مكة إلى البصرة بصحبة أم المؤمنين عائشة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهم-.

وعندما وصل طلحة والزبير وعائشة -رضي الله عنهم- ومَن معهم إلى البصرة، أرسلوا إلى أعيان وأشراف القبائل يستعينون بهم على قتلة عثمان، وكان كثير مِن المسلمين في البصرة وغيرها يرغبون في القود مِن قتلة عثمان -رضي الله عنه-؛ إلا أن بعض هؤلاء يرون أن هذا مِن اختصاص الخليفة وحده، وأن الخروج في هذا الأمر بدون أمره وطاعته معصية، ولكن خروج هؤلاء الصحابة المشهود لهم بالجنة، وأعضاء الشورى ومعهم أم المؤمنين عائشة حبيبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفقه النساء مطلقًا؛ جعل الكثير مِن البصريين على اختلاف قبائلهم ينضمون إليهم.

وأرسل الزبير إلى الأحنف بن قيس السعدي التميمي يستنصره على الطلب بدم عثمان، والأحنف مِن رؤساء تميم وكلمته مسموعة، يقول الأحنف واصفًا هول الموقف: فأتاني أفظع أمر أتاني قط فقلتُ: إن خذلاني هؤلاء ومعهم أم المؤمنين وحواري رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لشديد إلا أنه اختار الاعتزال، فاعتزل معه ستة آلاف ممن أطاعه مِن قومه، وعصاه في هذا الأمر كثير منهم، ودخلوا في طاعة طلحة والزبير وأم المؤمنين -رضي الله عنهم-، ويذكر الزهري أن عامة أهل البصرة تبعوهم, وهكذا انضم إلى طلحة والزبير وعائشة ومَن معهم أنصار جدد لقضيتهم التي خرجوا مِن أجلها، وقد حاول ابن حنيف تهدئه الأمور والإصلاح قدر المستطاع.

عليٌّ -رضي الله عنه- يغادر المدينة متوجهًا إلى الكوفة:

همّ علي بالنهوض إلى الشام ليزور أهلها وينظر ما هو رأي معاوية -رضي الله عنه- وما هو صانع، فقد كان يرى أن المدينة لم تعدُ تمتلك المقومات التي تملكها بعض الأمصار في تلك المرحلة، فلما علم أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- بهذا قال: يا أمير المؤمنين، أقم بهذه البلاد؛ لأنها الدرع الحصينة، ومهاجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبها قبره ومنبره ومادة الإسلام، فإن استقامت لك العرب كنتَ كمن كان، وإن تشغب عليك قوم رميتهم بأعدائهم، وإن ألجئت حينئذٍ إلى السير سرت وقد أعذرت، فأخذ الخليفة بما أشار به أبو أيوب وعزم المقامة بالمدينة وبعث العمال على الأمصار.

وقد بعث معاوية كتابًا مع رجل، فدخل به على علي، فقال له على: ما وراءك؟ قال: جئتك مِن عند قوم لا يريدون إلا القود، كلهم موتور -رَجُلٌ مَوْتُورٌ: أي مَنْ قُتِلَ لَهُ قَرِيبٌ وَلاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى أَخْذِ ثَأْرِهِ، ورَجُلٌ مَوْتُورٌ: عصبي مشدود-، تركتُ ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان، وهو على منبر دمشق، فقال علي: اللهم إني أبرأ إليك مِن دم عثمان.

ثم خرج رسول معاوية مِن بيْن يدي علي؛ فهمَّ به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله، فما أفلتْ إلا بعد جهدٍ، وبعد وصول رد معاوية لأمير المؤمنين علي -رضي الله عنهما-، عزم الخليفة علي الذهاب إلى أهل الشام؛ فكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم، وإلى أبي موسى بالكوفة، وبعث إلى عثمان بن حُنيف بذلك، وخطب الناس فحثّهم على ذلك، وعزم على التجهز، وخرج مِن المدينة، واستخلف عليها قُثم بن العباس، وهو عازم أن يقاتل بمن أطاعه مَن عصاه وخرج مِن أمره ولم يبايعه مع الناس، ولكن نظرًا لبعض المستجدات السياسية على الساحة وما يحدث في البصرة قرر أمير المؤمنين مغادرة المدينة وأن يتوجه إلى الكوفة، فاستنفر أهل المدينة ودعاهم إلى نصرته، وكان كثير مِن أهل المدينة يرون أن الفتنة ما زالت مستمرة، فلا بد مِن التروي حتى تنجلي الأمور أكثر، وهم يقولون: لا والله ما ندري كيف نصنع، فإن هذا الأمر لمشتبه علينا ونحن مقيمون حتى يضيء لنا ويسفر.

الصفحة التالية