شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (17) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وروى الطبري أن عليًّا -رضي الله عنه- خرج في تعبئته التي كان تعبَّى بها إلى الشام وخرج معه مَن نشط مِن الكوفيين والبصريين متخففين في سبعمائة رجل، والأدلة على تثاقل كثير مِن أهل المدينة عن إجابة أمير المؤمنين للخروج كثيرة، كما أن رجالاً مِن أهل بدر لزموا بيوتهم بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم، وحاول عبد الله بن سلام صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يثني عزم أمير المؤمنين علي عن الخروج، فأتاه وقد استعد للمسير، وأظهر له خوفه عليه ونهاه أن يقدم على العراق قائلاً: أخشى أن يصيبك ذباب السيف، كما أخبره بأنه لو ترك منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلن يراه أبدًا، وفي الربذة قام إليه ابنه الحسن -رضي الله عنهما- وهو يبكي لا يخفي حزنه وتأثره على ما أصاب المسلمين مِن تفرق واختلاف، وقال الحسن لوالده: قد أمرتك فعصيتني، فتُقتل غدًا بمضيعة لا ناصر لك، فقال علي: إنك لا تزال تخن خنين الجارية! وما الذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان -رضي الله عنه- أن تخرج مِن المدينة فيُقتل ولستَ بها، ثم أمرتك يوم قُتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر، ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا، فإن كان الفساد كان على يدي غيرك، فعصيتني في ذلك كله. قال: أي بني، أما قولك: لو خرجت مِن المدينة حين أحيط بعثمان، فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار، فإن الأمر أمر أهل المدينة، وكرهنا أن يضيع هذا الأمر، وأما قولك حين خرج طلحة والزبير، فإن ذلك كان وهنًا على أهل الإسلام، والله ما زلت مقهورًا مذ وُليت، منقوصًا لا أصل إلى شيء مما ينبغي، وأما قولك: اجلس في بيتك، فكيف لي بما قد لزمني، أو مَن تريدني؟ أتريدني أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها، ويقال: دباب دباب -دعاء الضبع للضبع-, ليست ههنا حتى يحل عرقوباها ثم نُخرج، وإذا لم أنظر فيما لزمني مِن هذا الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه؟ فكف عنك أي بني

ولَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ الْخُرُوجَ مِنَ الرَّبَذَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ إِلَيْهِ ابْنٌ لِرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَقَالَ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ بِنَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي نُرِيدُ وَنَنْوِي فَالإِصْلاحَ، إِنْ قَبِلُوا مِنَّا وأجابونا إليه، قال: فان لم يجيبوا إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ بِعُذْرِهِمْ وَنُعْطِيهِمُ الْحَقَّ وَنَصْبِرُ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ مَا تَرَكُونَا، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا؟ قَالَ: امْتَنَعْنَا مِنْهُمْ، قَالَ: فَنَعَمْ إِذًا".

وأرسل علي -رضي الله عنه- مِن الربذة يستنفر أهل الكوفة ويدعوهم إلى نصرته؛ إذ إن أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- والي الكوفة مِن قِبَل علي، ثبط الناس ونهاهم عن الخروج والقتال في الفتنة وأسمعهم ما سمعه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن التحذير مِن الاشتراك في الفتنة فأرسل علي بعد ذلك هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ففشل في مهمته لتأثير أبي موسى عليهم، ثم تحرك عليٌّ بجيشه إلى ذي قار ثم بعث للكوفة في هذه المرة عبد الله بن عباس فأبطأوا عليه، فأتبعه بعمار بن ياسر والحسن بن علي، وعزل أبا موسى الأشعري واستعمل قرظة بن كعب بدلاً منه.

وكان للقعقاع بن عمرو -رضي الله عنه- دور عظيم في إقناع أهل الكوفة، فقد قام فيهم وقال: إني لكم ناصح وعليكم شفيق، وأحب أن ترشدوا، ولأقولن لكم قولاً هو الحق، والقول الذي هو القول؛ إنه لا بد مِن إمارة تنظم الناس وتنزع الظالم، وتعز المظلوم، وهذا عليٌّ يلي ما ولى، وقد أنصف في الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونوا في هذا الأمر بمرأى ومسمع.

وكان للحسن بن علي -رضي الله عنهما- أثر واضح؛ فقد قام خطيبًا في الناس وقال: أيها الناس، أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر مَن ينفر إليه، والله لأن يليه أولو النهى أمثل في العاجلة وخير مِن العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، ولبى كثير مِن أهل الكوفة وخرجوا مع عمار والحسن إلى علي ما بيْن سبعة إلى ستة آلاف رجل، ثم انضم إليهم مِن أهل البصرة ألفان مِن عبد القيس، ثم توافدت عليه القبائل إلى أن بلغ جيشه عند حدوث المعركة اثنى عشر ألف رجل تقريبًا، وعندما التقى أهل الكوفة بأمير المؤمنين هلي بذي قار قال لهم: يا أهل الكوفة، أنتم وليتم شوكة العجم وملوكهم وفضضتم جموعهم، حتى صارت إليكم مواريثهم، فأعنتم حوزتكم، واغتنم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا مِن أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك ما نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق، وبايناهم حتى يبدءونا بظلم، ولن ندع أمرًا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد -إن شاء الله-، ولا قوة إلا بالله.

وقبْل أن يتحرك علي -رضي الله عنه- بجيشه نحو البصرة أقام في ذي قار أيامًا، وكان غرضه -رضي الله عنه-، هو القضاء على هذه الفرقة والفتنة بالوسائل السلمية، وتجنيب المسلمين شر القتال والصدام المسلح بكل ما أُوتي مِن قوة وجهد، وكذلك الحال بالنسبة لطلحة والزبير.

محاولات الصلح بيْن الفريقين:

الصفحة السابقة الصفحة التالية