شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (17) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وقد شارك في محاولات الصلح عدد مِن الصحابة وكبار التابعين ممن اعتزلوا الأمر، منهم: عمران بن حصين -رضي الله عنه-، فقد أرسل في الناس يخذل الفريقين جميعًا، وكعب بن سور أحد كبار التابعين، فقد بذل كل جهد، وقام بدور يعجز عنه كثير مِن الرجال، فقد استمر في محاولة الصلح إلى أن وقع القتال، وقُتل وهو بيْن الصفين يدعو هؤلاء ويدعو هؤلاء إلى تحكيم كتاب الله وكف السلاح، والقعقاع بن عمرو التميمي -رضي الله عنه- حيث أرسله أمير المؤمنين عليٌّ -رضي الله عنه- في مهمة الصلح إلى طلحة والزبير، وقال: القَ هذين الرجلين، فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظّم عليهما الاختلاف والفرقة. وذهب القعقاع إلى البصرة، فبدأ بعائشة -رضي الله عنها- وقال لها: ما أقدمك يا أماه إلى البصرة؟ قالت له: يا بني مِن أجل الإصلاح بيْن الناس. فطلب القعقاع منها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا، ويكلمهما في حضرتها وعلى مسمع منها، ولما حضرا سألهما عن سبب حضورهما، فقالا كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: مِن أجل الإصلاح بين الناس. فقال لهما: أخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عَرفناه لنصلحنَّ معكم، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا له: قتلة عثمان -رضي الله عنه- لا بد أن يُقتلوا، فإن تُركوا دون قصاص كان هذا تركًا للقرآن، وتعطيلاً لأحكامه، وإن اقُتصَّ منهم كان هذا إحياءً للقرآن. قال القعقاع: لقد كان في البصرة ستُّمائة مِن قتلة عثمان وأنتم قتلتموهم إلا رجلاً واحدًا، وهو حٌرقٌوص بن زهير السعدي، فلما هرب منكم احتمى بقومه مِن بني سعد، ولما أردتم أخذه منهم وقَتْله منعكم قومه مِن ذلك، وغضب له ستة آلاف رجل اعتزلوكم، ووقفوا أمامكم وقفة رجل واحد، فإن تركتم حرقوصًا ولم تقتلوه، كنتم تاركين لما تقولون وتنادون به وتطالبون عليًا به، وإن قاتلتم بني سعد مِن أجل حرقوص، وغلبوكم وهزموكم وأديلوا عليكم، فقد وقعتم في المحذور، وقوَّيتموهم، وأصابكم ما تكرهون، وأنتم بمطالبتكم بحرقوص أغضبتم ربيعة ومضر مِن هذه البلاد، حيث اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لبني سعد، وهذا ما حصل مع علي، ووجود قتلة عثمان في جيشه؛ يعني أن الذي تريدونه مِن قتل قتلة عثمان مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها، وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان -رضي الله عنه- مِن حرقوص بن زهير؛ لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخر قتل قتلة عثمان -رضي الله عنه- إلى أن يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفة.

وهنا تأثرت أمُّ المؤمنين ومَن معها بمنطق القعقاع وحجته المقبولة؛ فقالت له: فماذا تقول أنت يا قعقاع؟ قال: "أقول: هذا أمر دواؤه التسكين، ولا بد مِن التأني في الاقتصاص مِن قتلة عثمان، فإذا انتهت الخلافات، واجتمعت كلمة الأمة على أمير المؤمنين تفرغ لقتلة عثمان، وإن أنتم بايعتم عليًّا واتفقتم معه، كان هذا علامة خير، وتباشير رحمة، وقدرة على الأخذ بثأر عثمان، وإن أنتم أبيتم ذلك، وأصررتم على المكابرة والقتال كان هذا علامة شر، وذهابًا لهذا الملك، فآثروا العافية تُرزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولاً، ولا تُعرَّضونا للبلاء، فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وايم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتم، حتى يأخذ الله حجته مِن هذه الأمة التي قلَّ متاعها، ونزل بها ما نزل، فإنّ ما نزل بها أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا قتل النفر الرجل، ولا قتل القبيلة القبيلة".

وبعد هذه الكلمات العذبة والتي أخلص فيها القعقاع وافقوا على دعوته إلى الصلح، وقالوا له: قد أحسنتْ وأصبت المقالة، فارجع، فإن قدم علي، وهو على مثل رأيك، صلح هذا الأمر -إن شاء الله-.

وعاد القعقاع إلى علي -رضي الله عنهما- في ذي قار وقد نجح في مهمته، وأخبر عليًّا بما جرى معه، فأُعجب علي بذلك، وأوشك القوم على الصلح؛ كرهه مَن كرهه، ورضيه مَن رضيه، ثم أرسل علي -رضي الله عنه- رسولين إلى عائشة والزبير ومَن معهما يستوثق مما جاء به القعقاع بن عمرو، فجاءا عليًّا بأنه على ما فارقنا عليه القعقاع فأقدم، فارتحل علي حتى نزل بحيالهم، فنزلت القبائل إلى قبائلهم، مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وهم لا يشكون في الصلح، فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض، ولا يذكرون ولا ينوون إلا الصلح, وكان أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- لما نوى الرحيل قد أعلن قراره الخطير: ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا يقصد إلى البصرة، ألا ولا يرتحلن غدًا أحد أعان على عثمان بشيء في شيء مِن أمور الناس، وهكذا اتفق الطرفان على الصلح، وظهرت حقيقة نواياهم، ولكن قدر الله أسبق!

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، محمد غبان.

- تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية، محمد سهيل طقوش.

- تاريخ الرسل والملوك للإمام الطبري.

- البداية والنهاية لابن كثير.

- أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للصلابي.

- تضارب روايات الفتنة الكبرى، خالد كبير علال.

الصفحة السابقة