وثيقة المدينة مع اليهود (12)... معالم وملامح حقوقية
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تضمنت وثيقة المدينة إرساء مبدأ مِن أعظم مبادئ العدل الذي سبقت به الشريعةُ الإسلاميةُ المواثيقَ الدولية المُعاصِرَة، وحقوقَ الإنسان، والدساتير الوضعية، بقرون طويلة؛ ألا وهو مبدأ المسؤولية الشخصية للإنسان عن تصرفاته، وأنه لا يجني عليه غيرُه، ولا يعاقَب على جريمة غيره، إلا ما كان منه مِن تعاوُنٍ أو إقرارٍ أو تَسَتُّرٍ ورِضًا عن الجريمة.
ففي نصوص الوثيقة: "وإن يهود بني عوف أُمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا مَن ظَلَم وأَثِم، فإنه لا يُوتِغ -أي: لا يُفسد ويُهلك ويأثم- إلا نفسه وأهل بيته". وفيها أيضًا: "وإنه مَن فَتَك؛ فبنفسه فَتَك وأهلِ بيته؛ إلا مَن ظلم، وإن الله على إثر ذلك". وفيها أيضًا: "وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مِثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البِرّ الحَسَن مِن أهل هذه الصحيفة، وإن البِرّ دون الإثم، لا يكسِبُ كاسِبٌ إلا على نفسه".
وهذا المبدأ تقرر قبْل هذه الصحيفة في آيات القرآن المكي الذي نزل قبْل الهجرة، قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (الأنعام:164) ، وقال الله -تعالى-: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) (فاطر:18) ، وقال الله -تعالى-: ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا . اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا . مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء:13-15) ، وقال -تعالى-: ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) (الطور:21) .
وفي حديث لقيط بن عامر، في وفد بني المُنْتَفِق، أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "وأن لنا الأرض نَحلّ منها حيث شئنا، ولا يجني على امرئٍ إلا نفسه" فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَكَ ذلك".
وهي قضية عظيمة الأهمية في الدنيا والآخرة، فكما أن الله -تعالى- لا يُحاسِب أحدًا على جِناية غيره يوم القيامة، ولو كان والده أو ولده، ولا يُثاب المرء إلا على عمله، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ) (لقمان:33) ؛ فكذلك إقامة العدل الذي شَرَعه الله في الدنيا لا يتم إلا بأن لا يجني على امرئٍ إلا نفسه؛ فالإسلام لا يُقِرّ توريثَ الخطيئة وعُقوبةَ الأبناء على ذنب آبائهم، بل كل إنسان رهينٌ بما كسب بنفسه، وكذلك لا يعرف العقوبة الجماعية، فالسيئة تَخُصّ مَن ارتكبها، ولا تَعُمّ غيرَه، إلا مَن أعانه عليه أو أَمَرَ به، أو تَسَبّب في جريمته، أو تَسَتّر عليها وأقَرّها، فإنه نوع مِن التعاون على الإثم والعدوان.
وفي ضوء هذا نفهم بعض النصوص الواردة في الوثيقة التي تُدخِل أهل بيت الظالم الآثم فيما أوتَغَ -أي أهلك- نفسه به؛ فإن هذا يكون في الجنايات التي لا يمكن أن تتم إلا بمُواطَأةٍ مِن أهل بيته وإقرارهم على الجريمة.
كما أن هناك بعض الجنايات فُرِض فيها على العاقِلة -أي الأقارب مِن جهة الأب- المُعاوَنَةُ المالِيّة على مَن ارتكبها بنوعٍ مِن الخطأ، وهذا على سبيل المواساة؛ فالدِّيَةُ في قتل الخطأ وشِبْهِ العَمْدِ تجب على العاقِلَة، كما نَصّت الوثيقةُ على تفاصيل ذلك، على كل قبيلة مِن المسلمين ومِن اليهود، ففيها: "والمهاجرون مِن قُرَيْش على رِبْعَتِهم، يَتَعاقَلون بينهم، وهم يَفْدُون عانِيَهم بالمعروف والقِسط، وبنو عوف على رِبْعَتِهم، يتعاقَلون مَعَاقِلَهم الأولى، وكُلُّ طائفة تَفدي عَانِيَها بالمعروف والقِسْط".
فإن هذه المسائل أوجَبَ الشرعُ فيها على الإنسان مُعَاوَنَة مَن حَوْلَه في تَحَمُّل التبِعات التي وجبت عليه بجناية ارتكبها بطريق الخطأ، وشِبْهُ العمد مُلحَقٌ بالخطأ؛ لأنه لم يقصد القتل، وفِداءُ الأسير تكافلٌ اجتماعيٌ واجِب، لا يمكن أن يقوم مجتمعٌ بدون التكافل والمُواساة.
وأما ما وَرَدَ به الشرع مِن معاملة الناقِضِين للعهد بالمُحارَبَةِ للجميع -كما حدث مع يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قُرَيظة-؛ فلأن الأتباع كانوا مُوافِقين لرؤسائهم وقادتهم في النقض، ومَن أَبَى النقضَ وفارَقَهم أُطْلِقَ سَرَاحُه ولم يُعامَل مُعامَلَتَهم.
قال ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" في قصة بني قريظة: "قال ابن إسحاق: ثُمّ إن ثَعلبة بن سَعْيَة، وأُسَيد بن سَعْيَه، وأَسَد بن عُبَيْد، وهم نَفَرٌ من بني هَدَل، ليسوا مِن بني قريظة ولا النضير، نَسَبُهُم فوقَ ذلك، هم بنو عَمّ القوم، أسلموا في تلك الليلة التي نزلت فيها قُرَيْظَةُ على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخَرَجَ في تلك الليلة عمرو بن سَعديّ القرظي، ومَرّ بحَرَس رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وعليهم محمد بن مَسْلَمة تلك الليلة، فلما رآه قال: مَن هذا؟ قال: أنا عمرو بن سَعديّ، وكان عمرو قد أَبَى أن يدخل مع بني قريظة في غَدْرِهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: "لا أغدر بمحمدٍ أبدًا"، فقال محمد بن مَسْلَمة حين عَرَفَه: "اللهم لا تحرمني إقالة عَثَرات الكرام"، ثم خَلّى سبيلَه، فخَرَج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب لم يُدْرَ أين توجه مِن الأرض إلى يومه هذا؛ فذُكِر شَأنُه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ذاك رجل نَجَّاه اللهُ بوَفَائِه" (البداية والنهاية) .