وثيقة المدينة مع اليهود (12)... معالم وملامح حقوقية
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
قال: "وبعض الناس يزعم أنه كان أُوثِقَ بِرِمَّةٍ -فيمن أُوثِقَ مِن بني قريظة- فأصبحت رِمَّتُه مُلْقاةً، ولم يُدْرَ أين ذهب، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه تلك المقالة، والله أعلم أيّ ذلك كان".
وأما شأن الأطفال والنساء: فقد أتى الشرع بسَبْيِ النِّسَاءِ والذُّرّيّةِ للناقضين للعهودِ الغادِرين المُحارِبين؛ فكيف يتوافق ذلك مع المسئولية الشخصية؟
والجواب: أن ذلك في الحقيقة نجاةٌ لهؤلاء المستضعفين مِن مصير سادَتِهم وكُبَرائِهم، وليس الرِّقُّ في الإسلام بالصورة التي مارَسَها الرومان في عبيدهم، ولا الغربُ الجائِرُ في أفريقيا السوداء، ولا بممارسات الأُمَم الجائِرَةِ مِن التُّرْكِ والتَّتَرِ وغيرهم الذين تَسَرَّب إلى المسلمين بعضُ ممارساتهم، خِلافًا للشريعة.
بل الذي لا شك فيه أن الإسلام رَفَع قيمة الإنسان حيثُما كان، ولو كان رقيقًا، وأوجب احترام آدميَّتِه، بل جَعَله أَخًا لمالِكِه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللّه تحْتَ أيْدِيكُمْ ) (متفق عليه) ، وقال: ( فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ) (متفق عليه) ، وحَرَّمَ لَطْمَ الرَّقيق على وَجْهِه مُطلقًا، وجعل كَفَّارةَ ذلك عِتْقه، وحَرَّمَ ضَرْبَهُ بغير حق، وحَرَّمَ تعذيبه، وأَعْتَقَ على المالك مَن عَذّبَهُم مِن مماليكه -بغير حَقٍّ- رَغْمًا عنه.
كُلُّ هذا يَدُلُّنا على أن هذا وإن كان عُقوبةً للكافرين الغادِرين؛ فإنه نَجَاةٌ للنساء والصبيان مِن مَصيرٍ حالِكٍ ومُستقبَلٍ هالِكٍ، كانوا فيه تحت السادة والكبراء والقادة المجرمين، ولو كانوا مِن أهلهم... وكان السَّبْيُ دَمْجًا لهم في المجتمع المسلم الذي يرعاهم -تَربويًا وعِلميًا وسُلُوكيًا- مِن خلال الأُسَر التي يكونون فيها.
لذلك لا نستغرب أن كان جُملَة مِن علماء الإسلام وقادته هم مِن المَوَالي؛ فـ "ابن أبزى" -الذي تَرَكَهُ نائِبُ عُمَر على مَكَّةَ حين ذهب إلى لقاء عُمَر- من المَوَالي، لكنه حافِظٌ لكتاب الله، قال عمر: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا, وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ"، قال ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ونافِع مَوْلى ابن عمر، وعِكْرِمَة مَوْلى ابن عباس، وسعيد بن جُبِيْر، والحَسَن البصريّ، وابن سِيرِين، كلُّهُم مِن المَوَالي، وغيرُهم مِن قادة الأمة، عامَلَهُم الصحابةُ كأبنائِهم، وعَلَّمُوهم وأَدَّبُوهم أَحْسَنَ التعليم، ويكفينا توضيحًا في هذا الباب أن مالِك بن أنس -إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأربعة- شيخُه في الأخذِ عن ابن عُمَر: نافِع مَوْلاه، دُونَ ابنِه سالِم، في أكثر رواياته، وصارت السلسلة الذهبية عند أهل الإسلام في الإسناد: مَالِك عن نافِع عن ابن عُمَر.
هذا عرض مختصر لأسئلة الرِّقِّ، لعَلّ أن يكون لها تفصيلٌ أكبر في مَوضعٍ آخر.
لكن المقصود هنا: أن القاعدةَ العظيمةَ في العدل بتَحَمُّلِ المسئولية الشخصية ثابتةٌ لم تُخرَق؛ أَكَّدَتْها "وثيقةُ المدينة"، وطَبَّقَها الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع المسلمين والكفار، فصارت الأُسْوَة والقُدْوَة في باب حقوق الإنسان، قبْل ما أَقَرَّتْهُ أوروبا والغَرب، ولم تُطَبِّقْهُ في حُروبِها ونِزَاعاتها مع أنفُسِهم في حروبهم، ولا مع غيرهم في احتلالهم وعُدوانهم!
فالحمد لله على نعمة هذه الشريعة الإسلامية العظيمة.