صفحات مِن ذاكرة التاريخ (18) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق ما اتفق عليه الطرفان مِن أمر الصلح، وذكرنا الدور العظيم الذي قام به القعقاع بن عمرو -رضي الله عنه- في إقناع أهل الكوفة.
دور السبئية في نشوب الحرب:
كان في عسكر علي -رضي الله عنه- مِن أولئك الطغاة الذين قتلوا عثمان -رضي الله عنه- مَن لم يُعرف بعينه، ومَن تنتصر له قبيلته، ومَن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومَن في قلبه نفاق لم يتمكن مِن إظهاره, وحرص أتباع ابن سبأ على إشعال الفتنة وتأجيج نيرانها حتى يفلتوا مِن القصاص.
فلما نزل الناس منازلهم واطمأنوا؛ خرج علي وخرج طلحة والزبير -رضي الله عنهم- فتوافقوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه فلم يجدوا أمرًا هو أمثل مِن الصلح وترك الحرب حين رأوا أن الأمر أخذ في الانقشاع، فافترقوا على ذلك، ورجع عليٌّ إلى عسكره، ورجع طلحة والزبير إلى عسكرهما، وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه؛ ما عدا أولئك الذين حاصروا عثمان -رضي الله عنه-؛ فبات الناس على نية الصلح والعافية وهم لا يشكون في الصلح، فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض، لا يذكرون ولا ينوون إلا الصّلح.
وبات الذين أثاروا الفتنة بشرِّ ليلة باتوها قط؛ إذ أشرفوا على الهلاك، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السرِّ، واستسروا بذلك خشية أن يُفتضح أمرهم، وقال قائلهم: أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما، وأما علي فلم نعرف أمره حتى كان اليوم؛ وذلك حين طلب مِن الناس أن يرتحلوا في الغد ولا يرتحل معه أحد أعان على عثمان بشيء، ورأي الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا مع علي؛ فعلى دمائنا، وتكلم عبد الله بن سبأ فقال: يا قوم إن عزّكم في خلطة الناس فصانعوهم، وإذا التقى الناس غدًا فانشبوا القتال؛ فاجتمعوا على هذا الرأي بإنشاب الحرب في السّر.
وقبيل الفجر انقسم أهل الفتنة بالفعل إلى فريقين، ونفذوا ما تم الاتفاق عليه، فنهضوا مِن قبْل طلوع الفجر وهم قريب مِن ألفي رجل؛ فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف، وقتلوا مجموعة كبيرة مِن الفريقين، وصاحوا وصرخوا أن كلاً مِن الفريقين: البصرة والكوفة قد هجم على الآخر (1) ، وفزع الناس مِن نومهم إلى سيوفهم، وليس لديهم شك أن الفريق الآخر قد غدر بهم، ونقض ما اتفق عليه مِن وجوب الصلح؛ فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم، وقام الناس مِن منامهم إلى السلاح، فقالوا: طرقتنا أهل الكوفة ليلاً، وبيتونا وغدروا بنا، وظنوا أن هذا عن ملأ مِن أصحاب علي -رضي الله عنه-؛ فبلغ الأمر عليًّا فقال: ما للناس؟ فقالوا: بيتنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وقامت الحرب على ساق وقدم، وتبارز الفرسان (2) ، ولم يكن هناك أي فرصة للتثبت مِن الأمر في ظلام الليل, وفي الجانب الآخر ينادي طلحة وهو على دابته وقد غشيه الناس فيقول: يا أيها الناس أتنصتون؟ فجعلوا يركبونه ولا ينصتون، فما زاد أن قال: أف أف! فراش نار، وذباب طمع!
ومِن خلال هذا العرض يتبين أثر ابن سبأ وأعوانه في المعركة، ويتضح بما لا يدع مجالاً للشك حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على الإصلاح وجمع الكلمة، وهذا هو الحق الذي تثبته النصوص وتطمئن إليه النفوس، ونحن قد ذكرنا سابقًا خطورة النفاق والمنافقين على المجتمع المسلم.
نشوب القتال بيْن الطرفين:
زاد السبئيون في الجيشين مِن جهودهم في إنشاب القتال، وإغراء كل فريق بخصمه وتهييجه على قتاله، ونشبت المعركة عنيفة قاسية، وكانت المعركة يوم الجمعة في السادس عشر مِن جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين في منطقة "الزابوقة" قرب البصرة، وحزن عليٌّ -رضي الله عنه- لِما جرى، ونادى مناديه: كفوا عن القتال أيها الناس، ولم يسمع نداءه أحدٌ؛ فالكل كان مشغولاً بقتال خصمه (3) .
وكانت معركة الجمل على جولتين: الجولة الأولى كان قائدا جيش البصرة فيها طلحة والزبير، واستمرت مِن الفجر حتى قبيل الظهيرة, ونادى علي -رضي الله عنه- في جيشه، كما نادى طلحة والزبير -رضي الله عنهما- في جيشهما: لا تقتلوا مدبرًا، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تلحقوا خارجًا مِن المعركة تاركًا لها (4) ، وقد كان الزبير -رضي الله عنه- أوصى ابنه عبد الله بقضاء دينه فقال: إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل مظلومًا، وإن أكبر همي دَيْنِي! (5) .
وأثناء ذلك جاء رجل إلى الزبير -رضي الله عنه- وعرض عليه أن يقتل عليًّا -رضي الله عنه-، وذلك بأن يندس مع جيشه، ثم يفتك به، فأنكر عليه بشدة، وقال: لا؛ لا يفتك مؤمن بمؤمن، أو إن الإيمان قيَّد الفتك (6) ، وهذا يدل على عدم عزمه على القتل، وقد تقابل أمير المؤمنين عليٌّ والزبير -رضي الله عنهما-، فكلمه عليٌّ و ذكَّره بحديث سمعه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول له -أي الزبير-: ( يَا زُبَيْرُ, أَمَا وَاللهِ لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ ) (7) ، وهنا قرر الزبير -رضي الله عنه- أن ينصرف، ويغادر أرض المعركة.
وبعض الروايات ترجع السبب في انصراف الزبير -رضي الله عنه- قبيل المعركة لما علم بوجود عمار بن ياسر -رضي الله عنه- في الصف الآخر، وقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ ) (8) , وبعضها يرجع السبب في انصرافه إلى شكه في صحة موقفه مِن هذه الفتنة (9) ، وفي رواية ترجع السبب في انصرافه إلى أن ابن عباس -رضي الله عنهما- ذكره بالقرابة القوية مِن علي -رضي الله عنه-؛ إذ قال له: أين صفية بنت عبد المطلب حيث تقاتل بسيفك علي بن أبي طالب بن عبد المطلب؟! فخرج الزبير مِن المعركة؛ فلقيه ابن جٌرمٌوز فقتله -كما سيأتي تفصيله بإذن الله-.
فالزبير -رضي الله عنه- كان على وعي لهدفه "وهو الإصلاح"، ولكنه لما رأى حلول السلاح مكان الإصلاح رجع ولم يقاتل، وعلى إثر هذا الحديث انصرف الزبير وترك الساحة (10) .