شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (18) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وأما طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- القائد الثاني لجيش البصرة؛ فقد أصيب في بداية المعركة إذ جاءه سهم غرب لا يعرف مَن رماه، فأصابه إصابة مباشرة، ونزف دمه بغزاره فقالوا له: يا أبا محمد، إنك لجريح؛ فاذهب وادخل البيوت لتعالَج فيها، فقال طلحة لغلامه: احملني، وابحث لي عن مكان مناسب، فأدخل البصرة، ووضع في دار فيها ليعالج، ولكن جرحه ما زال ينزف حتى توفي في البيت، ثم دفن في البصرة -رضي الله عنه- (11) , وأما الرواية التي تشير إلى تحريض الزبير وطلحة -رضي الله عنهما- على القتال، وأن الزبير -رضي الله عنه- لما رأى الهزيمة على أهل البصرة ترك المعركة ومضى؛ فهذه الرواية لا تصح (12) ، وهذا يخالف الروايات الصحيحة التي تنص على أن أصحاب الجمل ما خرجوا إلا للإصلاح؛ فكيف يستقيم هذا الفعل مِن الزبير -رضي الله عنه- مع الهدف الذي خرج مِن مكة إلى البصرة مِن أجله؛ ألا وهو الإصلاح بيْن الناس؟! وبالفعل فإن موقف الزبير -رضي الله عنه- كان السعي في الإصلاح حتى آخر لحظة، وكذلك طلحة؛ فقد جاءا مِن أجل الإصلاح وليس مِن أجل إراقة الدماء! وهكذا خرج الزبير -رضي الله عنه- مِن ميدان المعركة، ومات طلحة -رضي الله عنه-، وأما عن مقتل طلحة -رضي الله عنه-؛ فقد كان عند بدء القتال كما صرَّح بذلك الأحنف بن قيس (13) .

وبسقوط القتلى والجرحى مِن الجانبين تكون قد انتهت الجولة الأولى مِن معركة الجمل، وكانت الغلبة فيها لجيش علي -رضي الله عنه-، وكان علي -رضي الله عنه- يراقب سير المعركة، ويرى القتلى والجرحى في الجانبين؛ فيتألم ويحزن، وأقبل علي على ابنه الحسن، وضمّه إلى صدره، وصار يبكي ويقول له: يا بُني، ليت أباك مات قبْل هذا اليوم بعشرين عامًا. فقال الحسن: يا أبتِ، لقد كنتُ نهيتك عن هذا، فقال علي: ما كنتُ أظن أن الأمر سيصل إلى هذا الحد، وما طعمُ الحياة بعد هذا؟ وأيُّ خير يُرجى بعد هذا؟! (14) .

وصل الخبر إلى أم المؤمنين -رضي الله عنها- بما حدث مِن القتال، فخرجتْ على جملها تحيط بها القبائل الأزدية، ومعها كعب الذي دفعتْ إليه مصحفًا يدعو الناس إلى وقف الحرب؛ تقدمت أم المؤمنين -رضي الله عنها- وكلها أمل أن يسمع الناس كلامها لمكانتها في قلوب الناس؛ فتحجز بينهم وتطفئ هذه الفتنة التي بدأت تشتعل, وحمل كعب بن سور المصحف، وتقدم أمام جيش البصرة، ونادى جيش علي قائلاً: يا قوم، أنا كعب بن سور، قاضي البصرة، أدعوكم إلى كتاب الله، والعمل بما فيه، والصلح على أساسه. وخشي السبئيون في مقدمة جيش علي أن تنجح محاولة كعب فرشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد، فمات والمصحف في يده (15) ، وأصابت سهام السبئيين ونبالهم جمل عائشة -رضي الله عنها- وهودجها، فصارت تنادي، وتقول: يا بني، الله، الله، اذكروا الله ويوم الحساب، وكفوا عن القتال. والسبئيون لا يستجيبون لها! وهم مستمرون في ضرب جيش البصرة!

وكان علي -رضي الله عنه- مِن الخلف يأمر بالكف عن القتال، وعدم الهجوم على البصريين، لكن السبئيين في مقدمة جيشه لا يستجيبون له، ويأبون إلا إقدامًا وهجومًا وقتالاً، ولما رأت عائشة -رضي الله عنها- عدم استجابتهم لدعوتها، ومقتل كعب بن سور أمامها، قالت: أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم. وصارت عائشة تدعو على قتلة عثمان وتلعنهم، وضج أهل البصرة بالدعاء على قتلة عثمان وأشياعهم، ولعنهم، وسمع علي الدعاء عاليًا في جيش البصرة فقال: ما هذا؟ قالوا: عائشة تدعو على قتلة عثمان، والناس يدعون معها. قال علي: ادعوا معي على قتلة عثمان وأشياعهم والعنوهم. وضجّ جيش علي بلعن قتل عثمان والدعاء عليهم (16) , وقال علي: اللهم العن قتلة عثمان في السهل والجبل (17) .

ثم اشتدت الحرب واشتعلت، وتشابك القوم وتشاجروا بالرماح، ثم استلوا السيوف فتضاربوا بها, ودنا الناس بعضهم مِن بعض (18) , ووجَّه السبئيون جهودهم لعقر الجمل، وقتل عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-؛ فسارع جيش البصرة لحماية عائشة -رضي الله عنها- وجملها، وقاتلوا أمام الجمل، وكان لا يأخذ أحد بخطام الجمل إلا قُتِل، حيث كانت المعركة أمام الجمل في غاية الشدة والقوة، حتى أصبح الهودج كأنه قٌنفٌذ (19) مما رمي فيه مِن النبل (20) , وقتل حول الجمل كثير مِن المسلمين مِن الأزد، وبني ضبة، وأبناء وفتيان قريش بعد أن أظهروا شجاعة منقطعة النظير (21) , وقد أصيبت عائشة -رضي الله عنها- بحيرة شديدة وحرج؛ فهي لا تريد القتال، ولكنه وقع رغمًا عنها،، وصارت تنادي بالكف، فلا مجيب، وكان كل مَن أخذ بخطام الجمل قُتل؛ فجاء محمد بن طلحة "السجاد" (22) ، وأخذ بخطامه وقال لأمه -أم المؤمنين-: يا أماه ما تأمرين؟ فقالت: كن كخيري ابني آدم، أي كف يدك، فأغمد سيفه بعد أن سله، فُقتل -رحمه الله- (23) , وأما عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- فقد قاتل قتالاً شديدًا، ورمى بنفسه بيْن السيوف، فقد استخرج مِن بيْن القتلى وبه بضع وأربعون ضربة وطعنة، كان أشدها وآخرها ضربة الأشتر؛ إذ مِن حنقه على ابن الزبير لم يرضَ أن يضربه وهو جالس على فرسه، بل وقف في الركابين فضربه على رأسه ظانًا أنه قتله (24) ، واستحر القتل أيضًا في بني عدى وبني ضبة والأزد، وقد أبدى بنو ضبة حماسة وشجاعة وفداء لأم المؤمنين -رضي الله عنها-، وكان علي -رضي الله عنه- يردد: اللهم ليس هذا أردتُ، اللهم ليس هذا أردتُ! (25) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية