صفحات مِن ذاكرة التاريخ (18) موقعة الجمل "الأسباب والنتائج"
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
ثم فكر علي -رضي الله عنه- كيف يقف هذا القتال؟ وأيقن أن في بقاء الجمل استمرارًا للحرب، وهلاكًا للناس، وأن أصحاب الجمل لن ينهزموا أو يكفوا عن الحرب ما بقيت أم المؤمنين -رضي الله عنها- في الميدان، كما أن في بقائها خطرًا على حياتها؛ فالهودج الذي هي فيه أصبح كالقنفذ مِن السهام, فأمر علي نفرًا مِن جنده، منهم محمد بن أبي بكر "أخو أم المؤمنين" وعبد الله بن بديل أن يعرقبا (26) الجمل، ويخرجا عائشة -رضي الله عنها- مِن هودجها إلى الساحة، فعقروا الجمل, واحتمل أخوها محمد وعبد الله بن بديل الهودج حتى وضعاه أمام علي، فأمر به علي، فأدخل في منزل عبد الله بن بديل, وهنا بدأت الأمور تهدأ، وأخرجت أم المؤمنين مِن الميدان (27) ، ولو لم يتخذ هذا الإجراء لاستمرت الحرب إلى أن يَفنى جيش البصرة أصحاب الجمل، أو ينهزم جيش علي -رضي الله عنه-.
وعندما بدأت الهزيمة نادى علي أو مناديه في جيشه: أن لا يتبعوا مدبرًا، ولا يجهزوا على جريح، ولا يغنموا إلا ما حمل إلى الميدان أو المعسكر مِن عتاد أو سلاح فقط، وليس لهم ما وراء ذلك مِن شيء، ونهاهم أن يدخلوا الدور؛ ليس هذا فحسب، بل قال لمن حاربه مِن أهل البصرة: مَن وُجد له شيئًا مِن متاع عند أحدٍ مِن أصحابه؛ فله أن يسترده!
وهكذا في أوقات الفتن تطيش العقول ولا يسمع أحدٌ أحدًا، وهكذا ظهر جليًّا أن القتال الذي وقع بيْن الصحب الكرام -رضي الله عنهم- وقع رغمًا عنهم.
ونستكمل ما حدث بعد انتهاء المعركة في المقال القادم -بإذن الله تعالى-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمد سهيل طقوش، تاريخ الخلفاء الراشدين، الفتوحات والإنجازات السياسية، ص440.
(2) سيف بن عمر الأسدي التَّمِيمي، الفتنة ووقعة الجمل، ص156.
(3) تاريخ الرسل والملوك للطبري ج5 ص 540.
(4) نفس المصدر ج5 ص544.
(5) رواه ابن أبي شيبة، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235هـ)، المصنف في الأحاديث والآثار، المحقق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى: 1409، عدد الأجزاء: 7 ج7 ص541.
(6) أخرجه أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: دار الحديث - القاهرة، الطبعة: الأولى، 1416 هـ - 1995م، عدد الأجزاء: 8 ج3 ص19، ومعنى الحديث أن الإيمان يمنع مِن الفتك الذي هو القتل بعد الأمان غدرًا كما يمنع القيد مِن التصرف، انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود، "باب في العدو يؤتى على غرة ويتشبه بهم".
(7) أخرجه الحاكم وغيره، وقد اختلف العلماء في صحته، وقال الألباني -رحمه الله- في السلسلة الصحيحة: "صحيح بمجموع طرقه"، وانظر: أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852 هـ) المطَالبُ العَاليَةُ بِزَوَائِدِ المسَانيد الثّمَانِيَةِ، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: 1998م، عدد الأجزاء: 19 ج18 ص135.
(8) أخرجه البخاري، الجامع المسند الصحيح، حديث رقم 447.
(9) تاريخ الرسل والملوك للطبري، ج5 ص 506، وانظر الصلابي: أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ص 572.
(10) محمد محمد حسن شٌراب، المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي، دار القلم: دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ، عدد الأجزاء 3 ج2 ص 324.
(11) البداية والنهاية لابن كثير، ج7 ص 253.
(12) الطبري، المصدر السابق ج5 ص540.
(13) تاريخ خليفة بن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري البصري (المتوفى:240هـ)، المحقق: د.أكرم ضياء العمري، الناشر: دار القلم مؤسسة الرسالة - دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، 1397هـ ص 185.
(14) البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص 521.
(15) البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص253.
(16) المصدر السابق ج7 ص 253.
(17) المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة،ج7 ص538.
(18) الطبقات لابن سعد، ج5 ص2.
(19) معنى تَقَنْفَذُ: تقبَّض. و(القُنْفُذ): دويْبَّة مِن الثَّدييات ذات شوك حادّ، يلتفُّ فيصير كالكرة، وبذلك يقي نفسه مِن خطر الاعتداء عليه. انظر المعجم الوسيط، ج2 ص760.
(20) تاريخ خليفة بن خياط ص 190.
(21) البداية والنهاية لابن كثير، ج7 ص 254.
(22) هو محمد بن طلحة بن عبيد الله الملقب بالسجاد لعبادته، والده هو طلحة بن عبيد الله أحد المبشرين بالجنة. وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقُتِلَ شَابّاً يَوْمَ الجَمَلِ, لَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُوْهُ حَتَّى سَارَ مَعَهُ. وَأُمُّهُ: هِيَ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، انظر سير أعلام النبلاء للذهبي، ج5 ص215.
(23) التاريخ الأوسط للبخاري، هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: 256هـ)، المحقق: محمود إبراهيم زايد، الناشر: دار الوعي , مكتبة دار التراث - حلب , القاهرة، الطبعة الأولى 1397 هـ - 1977م، عدد الأجزاء: 2 ج1 ص185.
(24) المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة، ج7 ص 528، بسندٍ صححه ابن حجر في الفتح (13/ 57، 58).
(25) المصدر السابق،ج7 ص541.
(26) أي يضربا قوائم الجمل بالسيف.
(27) تاريخ الرسل والملوك للطبري، ج5 ص 540.